مفتاح دار السعادة

يُحِسُّ بها لجعلها اللهُ مادةً للولد١.

قلت: مادةُ الولد [غير] مقصورةٍ على وقوع الماء بجملته في الرَّحم، بل إذا قدَّر الله خَلْقَ الولد من الماء فلو وُضِعَ على صخرةٍ لخُلِقَ منه الولد.

كيف، والذي يعزِلُ في الغالب إنما يلقي ماءه قريبًا من الفرج، وذلك إنما يكونُ غالبًا عندما يحسُّ بالإنزال، وكثيرًا ما ينزلُ بعضُ الماء ولا يشعُر به، فينزلُه خارجَ الفرج ولا شعورَ له بما ينزلُ في الفرج، ولا بما خالطَ ماءَ المرأة منه.

وبالجملة؛ فليس سببُ خلقِ الولد مقصورًا على الإنزال التَّامِّ في الفرج.

ولقد حدَّثني غيرُ واحدٍ ممَّن أثقُ به أنَّ امرأته حَمَلَت مع عزله عنها لرضاعٍ وغيره، ورأيتُ بعض أولادهم ضعيفًا ضئيلًا.

فصلواتُ الله وسلامه على من يصدِّقُ كلامُه بعضُه بعضًا، ويشهدُ بعضُه لبعض، فالاختلافُ والإشكالُ والاشتباهُ إنما هو في الأفهام، لا فيما خرجَ من بين شفتيه من الكلام.

والواجبُ على كلِّ مؤمنٍ٢ أن يَكِلَ ما أشكَل عليه إلى أصدق قائل، ويعلمَ أنَّ فوق كلِّ ذي علمٍ عليم٣، وأنه لو اعترَض على ذي صناعةٍ أو علمٍ من العلوم التي استنبطتها معاولُ الأفكار ولم يُحِط علمًا بتلك الصِّناعة والعلم، لأزرى على نفسه، وأضحَك صاحبَ تلك الصِّناعة والعلم على عقله.

  1. (١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٢٩٧، ٢٩٨).
  2. (٢) (ت): «مسلم». (ص): «عاقل».
  3. (٣) كذا في الأصول، على الحكاية.
1596

والنبيُّ ﷺ يذكرُ المقتضي في موضعٍ والمانعَ في موضعٍ آخر، ويُثْبِتُ الشيءَ في موضعٍ وينفي مثلَه في الصُّورة وعكسَه في الحقيقة، ولا يحيطُ أكثرُ الناس بمجموع نصوصه علمًا، ويسمعُ النصَّ ولا يسمعُ شرطَه ولا موانع مقتضاه ولا تخصيصَه، ولا ينتبهُ للفرق بين ما أثبته ونفاه، فينشأ من ذلك في حقِّه من الإشكالات ما ينشأ.

وينضافُ هذا إلى عدم معرفة الخاصِّ بخطابه ومجاري كلامه.

وينضافُ إلى ذلك تنزيلُ كلامه على الاصطلاحات التي أحدثَها أربابُ العلوم من١ الأصوليِّين والفقهاء وعلم أحوال القلوب وغيرهم، فإنَّ لكلٍّ من هؤلاء اصطلاحاتٍ حادثةً في مخاطباتهم وتصانيفهم، فيجيءُ من قد أَلِفَ تلك الاصطلاحات الحادثة وسبقَت معانيها إلى قلبه فلم يعرِف سواها، فيسمعُ كلامَ الشارع فيحملُه على ما ألِفَه من الاصطلاح، فيقعُ بسبب ذلك في الفهم عن الشارع ما لم يُرِده بكلامه، ويقعُ من الخلل في نظره ومناظرته ما يقع٢.

وهذا من أعظم أسباب الغلط عليه٣، مع قلَّة البضاعة من معرفة نصوصه.

  1. (١) مهملة في (د). (ت، ق): «بين». والمثبت من (ط).
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٤٣، ١٢/ ١٠٦، ١٣/ ١٤٦، ١٤/ ١٠١،١٣٣)، و«الاستقامة» (١/ ٢٣)، و«الجواب الصحيح» (٤/ ٤٨٣)، و«إعلام الموقعين» (١/ ٣٥، ٤٣، ٩٠)، و«زاد المعاد» (١/ ٢٨٣، ٢/ ١١٨)، و«الصواعق المرسلة» (١٨٩، ٢٨٩، ٦٧٢، ٦٧٥)، و«شفاء العليل» (١٤١).
  3. (٣) (ت): «من أسباب عليه».
1597

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي