مفتاح دار السعادة

والنبيُّ ﷺ يذكرُ المقتضي في موضعٍ والمانعَ في موضعٍ آخر، ويُثْبِتُ الشيءَ في موضعٍ وينفي مثلَه في الصُّورة وعكسَه في الحقيقة، ولا يحيطُ أكثرُ الناس بمجموع نصوصه علمًا، ويسمعُ النصَّ ولا يسمعُ شرطَه ولا موانع مقتضاه ولا تخصيصَه، ولا ينتبهُ للفرق بين ما أثبته ونفاه، فينشأ من ذلك في حقِّه من الإشكالات ما ينشأ.

وينضافُ هذا إلى عدم معرفة الخاصِّ بخطابه ومجاري كلامه.

وينضافُ إلى ذلك تنزيلُ كلامه على الاصطلاحات التي أحدثَها أربابُ العلوم من١ الأصوليِّين والفقهاء وعلم أحوال القلوب وغيرهم، فإنَّ لكلٍّ من هؤلاء اصطلاحاتٍ حادثةً في مخاطباتهم وتصانيفهم، فيجيءُ من قد أَلِفَ تلك الاصطلاحات الحادثة وسبقَت معانيها إلى قلبه فلم يعرِف سواها، فيسمعُ كلامَ الشارع فيحملُه على ما ألِفَه من الاصطلاح، فيقعُ بسبب ذلك في الفهم عن الشارع ما لم يُرِده بكلامه، ويقعُ من الخلل في نظره ومناظرته ما يقع٢.

وهذا من أعظم أسباب الغلط عليه٣، مع قلَّة البضاعة من معرفة نصوصه.

  1. (١) مهملة في (د). (ت، ق): «بين». والمثبت من (ط).
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٤٣، ١٢/ ١٠٦، ١٣/ ١٤٦، ١٤/ ١٠١،١٣٣)، و«الاستقامة» (١/ ٢٣)، و«الجواب الصحيح» (٤/ ٤٨٣)، و«إعلام الموقعين» (١/ ٣٥، ٤٣، ٩٠)، و«زاد المعاد» (١/ ٢٨٣، ٢/ ١١٨)، و«الصواعق المرسلة» (١٨٩، ٢٨٩، ٦٧٢، ٦٧٥)، و«شفاء العليل» (١٤١).
  3. (٣) (ت): «من أسباب عليه».
1597

فإذا اجتمعت هذه الأمورُ مع نوع فسادٍ في التصوُّر، أو القصد، أوهَما ما شئتَ من خَبْطٍ وغلطٍ وإشكالاتٍ واحتمالاتٍ وضرب كلامه بعضه ببعض، وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته، والله المستعان.

فصل

وأمَّا قضيةُ المجذوم؛ فلا ريب أنه رُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»١، وأرسل إلى ذلك المجذوم: «إنَّا قد بايعناك فارجِع»٢، وأخَذ بيد مجذومٍ فوضعها في القصعة، وقال: «كُلْ، ثقةً بالله وتوكُّلًا عليه»٣.

ولا تنافي بين هذه الآثار، ومن أحاطَ علمًا بما قدَّمناه تبيَّن له وجهُها، وأنَّ غايةَ ذلك أنَّ مخالطةَ المجذوم من أسباب العدوى، وهذا السببُ يعارضُه أسبابٌ أخرُ تمنعُ اقتضاءه.

فمِنْ أقواها: التَّوكُّلُ على الله والثقةُ به، فإنه يمنعُ تأثيرَ ذلك السبب المكروه، ولكن لا يقدرُ كلُّ واحدٍ من الأمَّة على هذا، فأرشدَهم إلى مجانبة

  1. (١) تقدم تخريجه (ص: ١٥١١).
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص: ١٥١١).
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٣٩٢٥)، والترمذي (١٨١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٢) من حديث جابر. وصححه ابن حبان (٦١٢٠)، والحاكم (٤/ ١٣٦) ولم يتعقبه الذهبي.
    وفي إسناده ضعف، والصوابُ أنه موقوفٌ على عمر أو سلمان، وأنكر رفعه البخاري والترمذي والعقيلي وابن عدي.
    انظر: «علل الترمذي الكبير» (٣٠٣)، و«الجامع»، و«الضعفاء» (٤/ ٢٤٢)، و«الكامل» (٦/ ٤٠٩).
1598

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي