مفتاح دار السعادة

فإذا اجتمعت هذه الأمورُ مع نوع فسادٍ في التصوُّر، أو القصد، أوهَما ما شئتَ من خَبْطٍ وغلطٍ وإشكالاتٍ واحتمالاتٍ وضرب كلامه بعضه ببعض، وإثبات ما نفاه ونفي ما أثبته، والله المستعان.

فصل

وأمَّا قضيةُ المجذوم؛ فلا ريب أنه رُوِي عن النبي ﷺ أنه قال: «فِرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد»١، وأرسل إلى ذلك المجذوم: «إنَّا قد بايعناك فارجِع»٢، وأخَذ بيد مجذومٍ فوضعها في القصعة، وقال: «كُلْ، ثقةً بالله وتوكُّلًا عليه»٣.

ولا تنافي بين هذه الآثار، ومن أحاطَ علمًا بما قدَّمناه تبيَّن له وجهُها، وأنَّ غايةَ ذلك أنَّ مخالطةَ المجذوم من أسباب العدوى، وهذا السببُ يعارضُه أسبابٌ أخرُ تمنعُ اقتضاءه.

فمِنْ أقواها: التَّوكُّلُ على الله والثقةُ به، فإنه يمنعُ تأثيرَ ذلك السبب المكروه، ولكن لا يقدرُ كلُّ واحدٍ من الأمَّة على هذا، فأرشدَهم إلى مجانبة

  1. (١) تقدم تخريجه (ص: ١٥١١).
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص: ١٥١١).
  3. (٣) أخرجه أبو داود (٣٩٢٥)، والترمذي (١٨١٧)، وابن ماجه (٣٥٤٢) من حديث جابر. وصححه ابن حبان (٦١٢٠)، والحاكم (٤/ ١٣٦) ولم يتعقبه الذهبي.
    وفي إسناده ضعف، والصوابُ أنه موقوفٌ على عمر أو سلمان، وأنكر رفعه البخاري والترمذي والعقيلي وابن عدي.
    انظر: «علل الترمذي الكبير» (٣٠٣)، و«الجامع»، و«الضعفاء» (٤/ ٢٤٢)، و«الكامل» (٦/ ٤٠٩).
1598

السبب المكروه والفرار والبعد منه.

ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بالبيعة، تشريعًا منه للفرار من أسباب الأذى والمكروه وأن يتعرَّض العبدُ لأسباب البلاء.

ثمَّ وضعُ يده معه في القصعة، فإنما هو بسبب التوكُّل على الله والثقة به الذي هو من أعظم الأسباب التي يُدْفَعُ بها المكروه والمحذور؛ تعليمًا منه للأمَّة دفعَ الأسباب المكروهة بما هو أقوى منها، وإعلامًا بأنَّ الضرَّ والنفعَ بيد الله ﷿، فإن شاء أن يضرَّ عبدَه ضرَّه، وإن شاء أن ينفعه نفعه، وإن شاء أن يصرفَ عنه الضرَّ صرَفه، بل إن شاء أن ينفعه بما هو من أسباب الضرر، ويضرَّه بما هو من أسباب النفع فعَل.

ليتبيَّن العبادُ أنه وحده الضارُّ النافع، وأنَّ أسبابَ الضرِّ والنفع بيده، وهو الذي جعلها أسبابًا، وإن شاء خلعَ منها سببيَّتها، وإن شاء جعَل ما تقتضيه بخلاف المعهود منها، ليُعْلَم أنه الفاعلُ المختار، وأنه لا يضرُّ شيءٌ ولا ينفعُ إلا بإذنه، وأنَّ التوكُّل عليه والثقةَ به تحيلُ الأسبابَ المكروهةَ إلى خلاف موجَباتها، وتبيِّن مرتبتَها، وأنها مَحَالُّ لمجاري مشيئة الله وحكمته، وأنه سبحانه هو الذي يضرُّ بها وينفع، ليس إليها ولا لها من الأمر شيء، وأنَّ الأمر كلَّه لله، وأنها إنما ينالُ ضررُها من علَّق قلبه بها، ووقفَ عندها، وتطيَّر بما يُتَطيَّر منها، فذلك الذي يصيبه١ مكروهُ الطِّيَرة.

والطِّيَرة سببٌ للمكروه٢ على المتطيِّر، فإذا توكَّل على الله ووثقَ به

  1. (١) (ت، ص): «يصله».
  2. (٢) (ت، ص): «سبب المكروه».
1599

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي