مفتاح دار السعادة

ولذلك١ من خافَ شيئًا غيرَ الله سُلِّط عليه، وكان خوفُه منه هو سببَ تسليطه عليه، ولو خاف اللهَ دونه ولم يَخَفْهُ لكان عدمُ خوفه منه وتوكُّلُه على الله من أعظم أسباب نجاته منه. وكذلك من رجا شيئًا غيرَ الله حُرِمَ ما رجاه منه، وكان رجاؤه غيرَ الله من أقوى أسباب حرمانه، فإذا رجا اللهَ وحده كان توحيدُ رجائه أقوى٢ أسباب الفوز بما رجاه، أو بنظيره، أو بما هو أنفعُ له منه، والله الموفق للصواب.

وليكن هذا آخرَ الكتاب، وقد جُلِبَت٣ إليك فيه نفائس في مثلها يتنافسُ المتنافسون، وجُلِيَت عليك فيه عرائس إلى مثلهنَّ بادَر الخاطبون.

فإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ العلم وفضله، وشدَّة الحاجة إليه، وشرفَه وشرفَ أهله، وعِظَم موقعه في الدارين.

وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ إثبات الصانع بطُرقٍ واضحاتٍ جليَّات تَلِجُ القلوبَ بغير استئذان، ومعرفةَ حكمته في خلقه وأمره.

وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ قَدْر الشريعة، وشدَّةَ الحاجة إليها، ومعرفةَ جلالتها وحكمتها.

وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفة النبوَّة وشدَّةَ الحاجة إليها بل ضرورة٤ الوجود إليها، وأنه يستحيلُ من أحكم الحاكمين أن يُخْلِيَ العالم عنها.

  1. (١) (د، ت): «وكذلك».
  2. (٢) (ت): «من أقوى».
  3. (٣) (ق، ص، ت): «جليت». بالياء. والضبط من (د).
  4. (٤) (ق): «بل وضرورة».
1601

وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ ما فَطر اللهُ عليه العقولَ١ من تحسين الحسن وتقبيح القبيح، وأنَّ ذلك أمرٌ عقليٌّ فطري، بالأدلة والبراهين التي اشتَمل عليها هذا الكتاب ولا توجدُ في غيره.

وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفة الردِّ على المنجِّمين القائلين بالأحكام بأبلغ طرق الردِّ عليهم من نفس صناعتهم وعلمهم، وإلزامهم بالإلزامات المُفْحِمة التي لا جوابَ لهم عنها، وإبداء تناقضهم في صناعتهم، وفضائحهم وكذبهم على الخلق والأمر.

وإن شئتَ اقتبستَ منه معرفةَ الطِّيَرة والفأل والزَّجْر، والفرقَ بين صحيح ذلك وباطله، ومعرفةَ مراتب هذه في الشريعة والقَدَر.

وإن شئتَ اقتبستَ منه أصولًا نافعةً جامعةً مما تَكْمُلُ به النفسُ البشرية وتنالُ بها سعادتَها في معاشها ومعادها.

إلى غير ذلك من الفوائد التي ما كان منها صوابًا فمن الله وحده هو المانُّ به٢، وما كان منها خطأً٣ فمن مؤلِّفه ومن الشيطان، والله بريءٌ منه ورسوله.

والله سبحانه المسؤولُ والمرغوبُ إليه المأمولُ أن يجعلَه خالصًا لوجهه، وأن يعيذَنا من شرور أنفسنا ومن سيِّئات أعمالنا، وأن يوفِّقنا لما يحبُّه ويرضاه، إنه قريبٌ مجيب.

  1. (١) (ت): «فطر الله القلوب عليه».
  2. (٢) (ت): «المنان به».
  3. (٣) (ق، د): «من خطأ».
1602

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي