وهذا يبيِّن أنهم لم يكونوا في الأرض، وإنما أُهبِطُوا إلى الأرض، فإنهم لو كانوا في الأرض وانتقلوا منها إلى أرضٍ أخرى، كما انتقل قومُ موسى من أرضٍ إلى أرض، كان مستقرُّهم ومتاعُهم إلى حينٍ في الأرض قبل الهبوط، كما هو بعده. وهذا باطل».
قالوا: «وقد قال تعالى في سورة الأعراف لما قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ فقولُه: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ يبيِّن اختصاصَ الجنة التي في السماء بهذا الحكم، بخلاف جنة الأرض، فإنَّ إبليس كان غير ممنوعٍ من التكبُّر فيها.
والضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ عائدٌ إلى معلوم، وإن كان غير مذكورٍ في اللفظ؛ لأنَّ العلمَ به أغنى عن ذِكْره».
قالوا: «وهذا بخلاف قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾[البقرة: ٦١]؛ فإنه لم يذكر هنا١ ما أُهبِطوا منه، وإنما ذكر ما أُهبِطوا إليه،
(١) في «الفتاوى»: «هناك».
بخلاف إهباط إبليس، فإنه ذكر مبدأ هبوطه وهو الجنة، والهبوط يكونُ من عُلْوٍ إلى سُفْل، وبنو إسرائيل كانوا بجبال الشَّراة١
المُشْرِفة على المِصر
(١) (د، ق، ت): «السراة» بالمهملة. و«السراة»: جبالٌ متصلةٌ من أقصى اليمن إلى الشام، كما يقول الهمداني في «صفة جزيرة العرب» (٩٩). وانظر: «الروض المعطار» (٨٢١)، و«معجم البلدان» (٣/ ٢٠٥). والمراد هنا أطرافها من جهة الشام، حيث كان بنو إسرائيل. قال المقريزي: «وقد ذُكر أن موسى ﵇ سار ببني إسرائيل بعد موت أخيه هارون إلى أرض أولاد العيص، وهي التي تعرف بجبال الشراة (في المطبوعة بالمهملة) جنب بلد الشوبك». والشوبك تقع جنوب الأردن، شمال غرب معان. انظر: «المواعظ والاعتبار» (١/ ١٨٦)، و«جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (٥١١). وقد اصطُلِح على جعل ما كان من جبال السراة في جنوب الجزيرة بالمهملة، وما كان في شمالها بالمعجمة، وتُذكَر مواضع منها في بعض المصادر في مواد مختلفة بالمعجمة وبالمهملة، لتقارب ما بين الحرفين، وكلها أجزاء من تلك الجبال الممتدة، وذكرها من صنَّف فيما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأماكن، كالحازمي وغيره. وهاهنا مذهبٌ آخر غريبُ المنزع في موضع سكنى بني إسرائيل، افترعه الدكتور كمال صليبي (وهو مؤرخٌ ماروني) بكتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» الذي أحدث صخبًا كبيرًا في الأوساط العلمية (ولم تقبل الكثير من دور النشر الأجنبية إصدار الأصل الألماني منه أو ترجمته الإنجليزية)، ذهب فيه إلى أن البيئة التاريخية للتوراة وأحداثها لم تكن في فلسطين، بل في غرب الجزيرة العربية بمحاذاة البحر الأحمر، في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن، واعتمد على المقابلة اللغوية بين أسماء الأماكن المضبوطة في التوراة بالحرف العبري وأسماء أماكن تاريخية أو حالية في جنوب الحجاز أو بلاد عسير. وتابعه زياد منى في كتابه «جغرافية التوراة». وردَّ عليه علامة الجزيرة حمد الجاسر وغيره. وانظر: مذكرات كمال صليبي «طائر على سنديانة»، و«مجلة مجمع اللغة العربية» بالقاهرة (العدد: ٩٩). وتحرفت العبارة في «الفتاوى» إلى: «حيال السراة».