مفتاح دار السعادة

أعطاهم أفضلَ مما منعهم، وهو عهدُه الذي عَهِدَ إليه وإلى بنيه، وأخبر أنه من تمسَّك به منهم صار إلى رضوانه ودار كرامته.

قال تعالى عقب إخراجه منها: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ١٢٣ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ١٢٥ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].

فلمَّا كَسَرَه سبحانه بإهباطه من الجنة جَبَرَه وذريتَه بهذا العهد الذي عَهِدَه إليهم، فقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، وهذه هي «إنْ» الشرطية المؤكَّدة بـ «ما» الدالَّة على استغراق الزمان، والمعنى: أيَّ وقتٍ وأيَّ حينٍ أتاكم منِّي هدى.

وجُعِلَ جوابُ هذا الشرط جملةً أخرى شرطية، وهي قولُه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، كما تقول: إنْ زرتني فمن بشَّرني بقدومك فهو حُرٌّ.

وجوابُ الشرط يكونُ جملةً تامَّة:

* إمَّا خبرًا محضًا، كقولك: إن زرتني أكرمتُك، أو خبرًا مقرونًا بالشرط كهذا، أو مؤكَّدًا بالقسم، أو بـ «إنْ» واللام، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].

88

* وإمَّا طلبًا، كقول النَّبي ﷺ: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله»١، وقوله: «وإذا لَقِيتُموهم فاصبروا»٢، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].

وأكثرُ ما يأتي هذا النوعُ مع «إذا» التي تفيدُ٣ تحقيقَ وقوع الشرط؛ لِسِرٍّ٤، وهو إفادتُه تحقيقَ الطَّلب عند تحقُّق الشرط، أي: فمتى تحقَّق الشرطُ فالطَّلبُ متحقِّق، فأتى بـ «إذا» الدالَّة على تحقُّق٥ الشرط، فعُلِمَ تحقُّقُ الطَّلب عندها.

وقد يأتي مع «إنْ» قليلًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١].

* وإمَّا جملةً إنشائية، كقوله لعبده الكافر: إن أسلمتَ فأنت حرٌّ، ولامرأته: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، فهذا إنشاءٌ للعتق والطلاق عند وجود الشرط ــ على رأي ــ، أو إنشاءٌ له حال التعليق، ويتأخَّرُ نفوذُه إلى حين وجود

  1. (١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) من حديث ابن عباس.
    قال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
    وانظر: «الضعفاء» للعقيلي (٣/ ٥٣، ١٧٨، ٣٩٨، ٤/ ٤٢٦)، و«جامع العلوم والحكم» (٣٤٥)، و«نور الاقتباس» (٣١).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢) من حديث ابن أبي أوفى.
  3. (٣) (ح): «تقيد». (ت): «بقيد».
  4. (٤) «لسر» ليست في (ق، ت).
  5. (٥) (ق): «تحقيق».
89

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي