فأمرنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، فذكر الهدايةَ والنعمة، وهما الهدى والفلاح.
ثمَّ قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فذكر المغضوبَ عليهم وهم أهلُ الشقاء، والضَّالِّين وهم أهلُ الضلال، وكلٌّ من الطائفتين له الضَّلالُ والشقاء، لكنْ ذَكَر الوصفين معًا لتكونَ الدَّلالةُ على كلٍّ منهما بصريح لفظِه.
وأيضًا؛ فإنه ذكر ما هو أظهرُ الوصفين في كلِّ طائفة، فإنَّ الغضب على اليهود أظهر؛ لعنادهم الحقَّ بعد معرفته، والضلال في النصارى أظهر؛ لغلبة الجهل فيهم، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون»١.
فصل
وقولُه تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ هو خطابٌ لمن أهبطه٢ من الجنة بقوله: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، ثم قال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
(١) أخرجه الترمذي (٢٩٥٣، ٢٩٥٤)، وأحمد (٤/ ٣٧٨)، وغيرهما. قال الترمذي: «حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب». وصححه ابن حبان (٦٢٤٦، ٧٢٠٦، ٧٣٦٥). وروي من وجهٍ آخر أصحَّ من هذا الوجه. انظر: «مسند الطيالسي» (٢/ ٣٧٢)، و«بيان الوهم والإيهام» (٤/ ٥١، ٦٦٨)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ١٦٤)، و«فتح الباري» (٨/ ١٥٩).
(٢) (ح، ن): «أهبط».
وكلا الخطابين لأبوي الثَّقلين.
وهو دليلٌ على أنَّ الجنَّ مأمورون منهيُّون، داخلون تحت شرائع الأنبياء، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمَّة، وأنَّ نبينا ﷺ بُعِثَ إليهم كما بُعِثَ إلى الإنس، كما لا خلاف بينها أنَّ مسيئهم مستحقٌّ للعقاب. وإنما اختلف١ علماءُ الإسلام في المسلم منهم: هل يدخل الجنة٢؟
فالجمهورُ على أنَّ محسنهم في الجنة، كما أن مسيئهم في النار.
وقيل: بل ثوابهم سلامتُهم من الجحيم، وأمَّا الجنة فلا يدخلُها أحدٌ من أولاد إبليس، وإنما هي لآدم٣ وصالحي ذريته خاصَّة. وحُكِيَ هذا القولُ عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى٤.
واحتجَّ الأولون بوجوه:
أحدها: هذه الآية؛ فإنه سبحانه أخبر أنَّ من اتبعَ هداه فلا يخافُ ولا