يحزن، ولا يضلُّ ولا يشقى، وهذا مستلزمٌ لكمال النعيم.
ولا يقال: إنَّ الآية إنما تدلُّ على نفي العذاب فقط، ولا خلافَ أنَّ مؤمنيهم لا يعاقبون؛ لأنَّا نقول: لو لم تدلَّ الآيةُ إلا على أمرٍ عدميٍّ فقط لم يكن مدحًا لمؤمني الإنس، ولمَا كان فيها إلا مجردُ أمرٍ عدميٍّ، وهو عدمُ الخوف والحزن.
ومعلومٌ أنَّ سياقَ الآية ومقصودَها إنما أريدَ به أنَّ من اتبعَ هدى الله الذي أنزله حصل له غايةُ النعيم، واندفعَ عنه غايةُ الشقاء، وعبَّر عن هذا المعنى المطلوب بنفي الأمور المذكورة؛ لاقتضاء الحال لذلك، فإنه لما أُهبِط آدمُ من الجنة حصل له من الخوف والحزن والشقاء ما حصل، فأخبره سبحانه أنه مُعْطِيه وذريته عهدًا من اتبعه منهم انتفى عنه الخوف والحزن والضلال والشقاء، ومعلومٌ أنه لا ينتفي١ ذلك كلُّه إلا بدخول دار النعيم٢، ولكنَّ المقام بذكر التصريح بنفي غاية٣ المكروهات أولى.
فأخبرَ سبحانه عن نذيرهم ــ إخبار مقرٍّ له١ ــ: أنَّ من أجابَ داعيه غَفَر له وأجارَه من العذاب.
ولو كانت المغفرةُ لهم إنما ينالونَ بها مجردَ النجاة من العذاب كان ذلك حاصلًا بقوله: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، بل تمامُ المغفرة دخولُ الجنة والنجاةُ من النار، فكلُّ من غُفِرَ له فلا بدَّ له من دخول الجنة.
الثالث: قولُه تعالى في الحور العين: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾[الرحمن: ٥٦، ٧٤]؛ فهذا يدلُّ على أنَّ مؤمني الجنِّ والإنس يدخلون الجنة، وأنه لم يسبق من أحدٍ منهم طَمْثٌ لأحدٍ من الحُور، فدلَّ على أنَّ مؤمنيهم يتأتَّى منهم طمثُ الحور العين بعد الدخول، كما يتأتَّى من الإنس، ولو كانوا ممَّن لا يدخلُ الجنةَ لمَا حَسُنَ الإخبارُ عنهم بذلك٢.