مفتاح دار السعادة

ويتبعُهما أمران آخران، وهما:

* نفيُ شبهات الباطل الواردة عليه، المانعة من كمال التصديق١، وأن لا يَخْمِشَ بها وجهَ تصديقه.

* ودفعُ شهوات الغيِّ الواردة عليه، المانعة من كمال الامتثال.

فهنا أربعةُ أمور:

أحدها: تصديقُ الخبر.

الثاني: بذلُ الاجتهاد في ردِّ الشبهات التي تُوحيها شياطينُ الجنِّ والإنس في معارضته.

الثالث: طاعةُ الأمر.

الرابع: مجاهدةُ النفس في دفع الشهوات التي تحولُ بين العبد وبين كمال الطاعة.

وهذان الأمران ــ أعني: الشُّبهات، والشَّهوات ــ أصلُ فساد العبد وشقائه في معاشه ومعاده٢، كما أنَّ الأصلين الأوَّلين ــ وهما: تصديقُ الخبر، وطاعةُ الأمر ــ أصلُ سعادته وفلاحه في معاشه ومعاده.

وذلك أنَّ العبدَ له قوَّتان:

* قوةُ الإدراك والنظر، وما يتبعُها من العلم والمعرفة والكلام.

* وقوةُ الإرادة والحبِّ وما يتبعُها من النِّية والعزم٣ والعمل. فالشبهةُ

  1. (١) (ح): «الامتثال». (ن): «الامتثال الخبر». وكلاهما خطأ.
  2. (٢) انظر: «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٦٥)، و«الصواعق المرسلة» (٥١٠).
  3. (٣) (ح): «والعلم». تحريف.
108

تؤثِّر١ فسادًا في القوة العلمية النظرية ما لم يُداوِها بدفعها، والشهوةُ تؤثِّر فسادًا في القوة الإرادية العملية ما لم يُداوِها بإخراجها.

قال الله تعالى في حقِّ نبيِّه يذكرُ ما مَنَّ به عليه مِن نزاهته وطهارته مما يلحقُ غيرَه من ذلك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ١ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ١ - ٢]؛ فـ ﴿مَا ضَلَّ﴾ دليلٌ على كمال علمه ومعرفته، وأنه على الحقِّ المبين، ﴿وَمَا غَوَى﴾ دليلٌ على كمال رشده وأنه أبرُّ العالمين؛ فهو الكاملُ في علمه وفي عمله.

وقد وصفَ ﷺ بذلك خلفاءه من بعده وأمر باتِّباعهم على سنَّتهم٢، فقال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي» رواه الترمذيُّ وغيره٣؛ فالراشدُ ضدُّ الغاوي، والمهديُّ ضدُّ الضالِّ.

وقد قال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩]، فذكر تعالى

  1. (١) (ت): «تورث».
  2. (٢) (ح): «سننهم».
  3. (٣) أخرجه الترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٤)، وأحمد (٤/ ١٢٦)، وغيرهم من حديث العرباض بن سارية.
    وصححه الترمذي، وابن حبان (٥)، والحاكم (١/ ٩٥) ولم يتعقبه الذهبي، والبزار، وأبو نعيم، والضياء المقدسي، وابن تيمية، وغيرهم. انظر: التعليق على «ذم الكلام» للهروي (٣/ ١٢٥ - ١٤٨ طبعة الغرباء).
109

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي