أحدهما: الاستمتاعُ بالخَلاق، وهو النصيبُ من الدُّنيا، والاستمتاعُ به متضمِّنٌ لنيل الشهوات المانعة من متابعة الأمر، بخلاف المؤمن فإنه وإن نال من الدُّنيا وشهواتها فإنه لا يستمتعُ بنصيبه كلِّه، ولا يُذْهِبُ طيِّباته في حياته الدُّنيا، بل ينالُ منها ما ينالُ ليتقوَّى به على التزوُّد لمعاده.
والثاني: الخوض بالشبهات الباطلة، وهو قولُه: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، وهذا شأنُ النفوس الباطلة التي لم تُخْلَقْ للآخرة، لا تزالُ ساعيةً في نيل شهواتها، فإذا نالتها فإنما هي في خوضٍ بالباطل٢ الذي لا يُجْدِي عليها إلا الضررَ العاجل والآجل.
ومِنْ تمام حكمة الله تعالى أنه يبتلي هذه النفوسَ بالشقاء والتعب في تحصيل مراداتها وشهواتها، فلا تتفرغُ للخوض بالباطل إلا قليلًا، ولو تفرَّغت هذه النفوسُ الباطوليَّة٣ لكانت أئمَّةً تدعو إلى النار، وهذا حالُ من
(١) انظر: «اقتضاء الصراط المستقيم» (١/ ٢٥)، و«الاستقامة» (١/ ٤٥٤)، و«إعلام الموقعين» (١/ ١٣٦)، و«الصواعق المرسلة» (١٢١٠)، و«رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه» (١٨)، و«الكلام على مسألة السماع» (١٧٣).
(٢) (ح): «في الباطل».
(٣) المتَّبعة للشَّهوات، نسبةً إلى البَطالة، أو الباطل، على غير قياس. وقد وردت هذه النسبة الغريبة في مواضع من كتب المصنف. انظر: «تهذيب السنن» (٣/ ٨١)، و«بدائع الفوائد» (٨٤٦)، و«الكلام على مسألة السماع» (٢٢١)، وما سيأتي (ص: ٥٢٨). كما وردت في كلام بعض أهل عصره بالدلالة نفسها. انظر: «الوافي» للصفدي (١٣/ ٣٣٤) فيما نقله عن ابن تيمية، و«النصيحة الذهبية» (المنسوبة للذهبي) (٨٦).
تفرَّغ منها كما هو مشاهدٌ بالعيان.
وسواءٌ كان المعنى: «وخضتم كالحزب الذي خاضوا»، أو: «كالفريق الذي خاضوا»؛ فإنَّ «الذي» يكونُ للواحد والجمع، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ٣٣ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾[الزمر: ٣٣ - ٣٤]، لكن لا يجري على جمع تصحيح، فلا يجيء: «المسلمون الذي جاؤوا»، وإنما يجيءُ غالبًا في اسم الجمع، كالحزب، والفريق، أو حيثُ لا يُذْكَرُ الموصوفُ وإن كان جمعًا، كقول الشاعر١:
وإنَّ الذي حانت بفَلْجٍ٢ دماؤهمهمُ القومُ كلُّ القوم يا أمَّ خالد
أو حيثُ يرادُ الجنسُ دون الواحد والعدد، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، ونظيره الآية التي نحن فيها، وهي قولُه: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾.
= أو كان المعنى على القول الآخر: «وخضتم خوضًا كالخوض الذي
(١) أشهب بن رميلة، في «الكتاب» (١/ ١٨٧)، و«المقتضب» (٤/ ١٤٦)، و«اللآلي» (١/ ٣٥)، وغيرها. ويروى في بعض المصادر: «وإن الألى» كما في «البيان والتبين» (٤/ ٥٥)، وفي بعضها: «وإن التي» كما في «الخزانة» (٦/ ٢٩)، وعلى هاتين الروايتين فلا شاهد فيه.
(٢) وادٍ في طريق البصرة إلى مكة. «معجم ما استعجم» (٣/ ١٢٠٧). وهو المسمى اليوم بوادي الباطن، وتقع فيه مدينة «حفر الباطن» شمال شرق المملكة العربية السعودية. «المعجم الجغرافي للمنطقة الشرقية» للجاسر (٣/ ١٣١٥).