خاضُوا»؛ فيكونُ صفةً لمصدرٍ محذوف، كقولك: اضرب كالذي ضَرَبَ، وأحسِنْ كالذي أحسَن، ونظائره. وعلى هذا فيكونُ العائدُ منصوبًا محذوفًا، وحذفُه في مثل ذلك قياسٌ مطَّرد١.
وعلى القولين، فقد ذمَّهم سبحانه على الخوض بالباطل واتباع الشهوات، وأخبر أنَّ من كانت هذه حالتُه فقد حَبِط عملُه في الدُّنيا والآخرة، وهو من الخاسرين.
ونظيرُ هذا قولُ أهل النار لأهل الجنة، وقد سألوهم: كيف دخلوها: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ٤٣ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾[المدثر: ٤٣ - ٤٦]، فذكروا الأصلين: الخوض بالباطل وما يتبعه من التكذيب بيوم الدِّين، وإيثار الشهوات وما يستلزمُه٢ من ترك الصَّلوات وإطعام ذوي الحاجات.
فهذا الأصلان هما ما هما. والله وليُّ التوفيق.
فصل
والقلبُ السليمُ الذي لا ينجو من عذاب الله إلا من أتى اللهَ به٣ هو القلبُ الذي قد سَلِمَ من هذا وهذا؛ فهو القلبُ الذي قد سلَّم لربِّه، وسلَّم لأمره، ولم تبق فيه منازعةٌ لأمره، ولا معارضةٌ لخبره، فهو سليمٌ مما سوى
(٣) (ن، ح): «والقلب السليم الذي ينجو من عذاب الله».
الله وأمرِه، لا يريدُ إلا الله، ولا يفعلُ إلا ما أمره الله، فالله وحده غايتُه، وأمرُه وشرعُه وسيلتُه وطريقتُه، لا تعترضه شبهةٌ١ تحولُ بينه وبين تصديق خبره، لكنْ٢ لا تمرُّ عليه إلا وهي مُجْتازة، تعلمُ أنه لا قرار لها فيه، ولا شهوة تحولُ بينه وبين متابعة رضاه.
ومتى كان القلبُ كذلك فهو سليمٌ من الشرك، وسليمٌ من البدع، وسليمٌ من الغيِّ، وسليمٌ من الباطل، وكلُّ الأقوال التي قيلت في تفسيره فذلك ينتظمُها٣.
وحقيقتُه أنه القلبُ الذي قد سَلَّمَ لعبودية ربِّه حبًّا وخوفًا ورجاءً؛ ففَنِيَ بحبِّه٤ عن حبِّ ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وسلَّم لأمره ولرسوله تصديقًا وطاعة، كما تقدَّم، واستسلَم لقضائه وقدره فلم يتَّهِمْه ولم يُنازِعْه ولم يتسخَّط لأقداره.
(٢) كذا في الأصول. أي: «وقد تعترضه شبهة، لكن لا تمر ...» على الاستدراك، وهو بابُ «لكنْ». فإن كانت للإضراب - وقد تأتي له، انظر: «رصف المباني» (١٩٢) - فالمعنى ظاهر.