مفتاح دار السعادة

وَأَدْبَارَهُمْ﴾، وهو من المَقُول المحذوف قولُه١ لدلالة الكلام عليه، كنظائره، وكلاهما واقعٌ وقت الوفاة.

وفي «الصحيح»٢ عن البراء بن عازبٍ ﵁ في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، قال: «نزلت في عذاب القبر»٣.

والأحاديثُ في عذاب القبر تكادُ تبلغُ حدَّ التواتر٤.

والمقصودُ أنَّ الله سبحانه أخبر أنَّ من أعرض عن ذكره، وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضلُّ ولا يشقى، فإنَّ له معيشةً ضنكًا، وتكفَّل لمن حفظ عهدَه أن يُحْيِيَه حياةً طيِّبةً ويجزيه أجره في الآخرة، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].

فأخبرَ سبحانه عن فلاح من تمسَّك بعهده علمًا وعملًا، في العاجلة بالحياة الطيِّبة، وفي الآخرة بأحسن الجزاء، وهذا بعكس من له المعيشةُ الضَّنكُ في الدُّنيا والبرزخ، ونسيانُه في العذاب بالآخرة.

  1. (١) (ق، د): «القول المحذوف مقوله». (ت): «القول المحذوف فقوله له لا له». وكلاهما خطأ.
  2. (٢) (ق): «الصحيحين». «صحيح البخاري» (١٣٦٩)، و«صحيح مسلم» (٢٨٧١).
  3. (٣) وانظر للآيات الدالة على عذاب القبر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٦٦)، و«عدة الصابرين» (٣٦٠)، و«الروح» (٢٧١ - ٢٧٣).
  4. (٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٢٨٥)، و«الروح» (٢٢٨)، و«نظم المتناثر» للكتاني (١٢٥).
118

وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ٣٦ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٣٦ - ٣٧]، فأخبر سبحانه أنَّ ابتلاءه بقرينه١ من الشياطين وضلاله به إنما كان بسبب إعراضه وعَشْوِه عن ذكره الذي أنزله على رسوله، فكان عقوبةُ هذا الإعراض أنْ قيَّض له شيطانًا يقارنُه، فيصدُّه عن سبيل ربِّه وطريق فلاحه، وهو يحسبُ أنه مهتدٍ، حتى إذا وافى ربَّه يوم القيامة مع قرينه، وعاينَ هلاكَه وإفلاسَه، قال: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨].

وكلُّ من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكرُ الله، فلا بدَّ أن يقول هذا يوم القيامة.

فإن قيل: فهل لهذا عذرٌ في ضلاله إذا كان يحسبُ أنه على هدى، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؟

قيل: لا عذرَ لهذا وأمثاله من الضُّلَّال الذين منشأ ضلالهم الإعراضُ عن الوحي الذي جاء به الرسولُ ﷺ، ولو ظنَّ أنه مهتدٍ، فإنه مفرِّطٌ بإعراضه عن اتباع داعي الهدى، فإذا ضلَّ فإنما أُتِيَ من تفريطه وإعراضه. وهذا بخلاف من كان ضلالُه٢ لعدم بلوغ الرسالة وعجزه عن الوصول إليها، فذاك له حكمٌ آخر، والوعيدُ في القرآن إنما يتناولُ الأول، وأما الثاني فإنَّ الله لا يعذِّبُ أحدًا إلا بعد إقامة الحجَّة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا

  1. (١) (ح، ن): «أن من ابتلاه بقرينه».
  2. (٢) (ح، ن): «من كان على ضلالة».
119

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي