يوصلُ إليه أبدًا إلا من باب العلم والإرادة؛ فالإرادةُ بابُ الوصول إليه، والعلمُ مفتاحُ ذلك الباب المتوقِّف فتحُه عليه، وكمالُ كلِّ إنسانٍ إنما يتمُّ بهذين النوعين: هِمَّةٌ ترقِّيه، وعلمٌ يبصِّره١ ويهديه= فإنَّ مراتبَ السعادةِ والفلاح إنما تفوتُ العبدَ من هاتين الجهتين، أو من إحداهما:
* إمَّا أن لا يكون له علمٌ بها، فلا يتحركُ في طلبها.
* أو يكون عالمًا بها ولا تنهضُ همَّتُه إليها.
فلا يزالُ في حضيض طبعه محبوسًا، وقلبُه عن كماله الذي خُلِقَ له مصدودًا منكوسًا، قد أسامَ نفسَه مع الأنعام راعيًا مع الهَمَل، واستطابَ لُقَيْمات الراحة والبَطالة، واسْتَلانَ فراشَ العجز والكسل، لا كمن رُفِعَ له٢ عَلَمٌ فشمَّر إليه، وبُورِكَ له في تفرُّده في طريق طلبه فلزمه واستقام عليه، قد أبَتْ غَلَباتُ شوقِه٣ إلا الهجرة إلى الله ورسوله، ومقَتَت نفسُه الرفقاءَ إلا ابنَ سبيلٍ يرافقُه في سبيله.
ولما كان كمالُ الإرادة بحسب كمال مرادها، وشرفُ العلم تابعٌ لشرف معلومه، كانت نهايةُ سعادة العبد التي لا سعادة له بدونها ولا حياة له إلا بها أن تكون إرادتُه متعلقةً بالمراد الذي لا يبلى ولا يفوت، وعَزَماتُ همَّته مسافرةً إلى حضرة الحيِّ الذي لا يموت. ولا سبيل له إلى هذا المطلب
(١) (ت): «يوصله».
(٢) (ق): «دفع له». وفي (ت): «وقع له».
(٣) الغَلَبات: جمع غلبة. مولدة. قال محمد بن داود في «الزهرة» (٢٤٥) من أبيات: أبَتْ غلَباتُ الشَّوقِ إلا تقرُّبا ... إليكَ ونأيُ العذلِ إلا تجنُّبا وتحرفت العبارة في (ق، ت).
الأسنى والحظِّ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه، الذي بعثه لذلك داعيًا، وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطةً بينه وبين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السَّلام، وأبى سبحانه أن يفتحَ لأحدٍ منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدئًا منه ومنتهيًا إليه، فالطرقُ كلُّها إلا طريقَه ﷺ مسدودة، والقلوبُ بأسرها إلا قلوبَ أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسةٌ مصدودة.
فحقٌّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا عن الله واعيًا، أن يجعل على هذين الأصلين مدارَ أقواله وأعماله، وأن يُصَيِّرهما آخِيَّتَه١ التي إليها مفزعُه في حياته ومآله.
فلا جَرَمَ كان وضعُ هذا الكتاب مؤسَّسًا على هاتين القاعدتين، ومقصودُه التعريف بشرف هذين الأصلين، وسمَّيتُه: «مفتاح دار السَّعادة ومنشور٢ ولاية العلم٣ والإرادة»؛ إذ كان هذا من بعض النُّزُلِ٤ والتُّحَف التي فتح الله بها عليَّ حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرُّضي لنفحاته في بيته وحوله بكرةً وأصيلًا، فما خابَ من أنزل به حوائجَه، وعلَّق به آمالَه، وأصبح ببابه مقيمًا وبحِمَاه نزيلًا.
(١) (ق): «أجنده». والآخيَّة: عودٌ يعرض في الحائط، ويُدْفَنُ طرفاه فيه، ويصير وسطه كالعروة، تُشَدُّ إليه الدابة. وفي الحديث: «مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيَّته، يجول ثم يرجع إلى آخيَّته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان». «النهاية» (١/ ٢٩)، و«صحيح ابن حبان» (٦١٦).
(٢) (ت): «ومنتهى».
(٣) (ق): «ولاية أهل العلم».
(٤) وهو ما يهيَّأ للنزيل من الضيافة. «اللسان» (نزل).