مفتاح دار السعادة

الأسنى والحظِّ الأوفى إلا بالعلم الموروث عن عبده ورسوله وخليله وحبيبه، الذي بعثه لذلك داعيًا، وأقامه على هذا الطريق هاديًا، وجعله واسطةً بينه وبين الأنام، وداعيًا لهم بإذنه إلى دار السَّلام، وأبى سبحانه أن يفتحَ لأحدٍ منهم إلا على يديه، أو يقبل من أحدٍ منهم سعيًا إلا أن يكون مبتدئًا منه ومنتهيًا إليه، فالطرقُ كلُّها إلا طريقَه ﷺ مسدودة، والقلوبُ بأسرها إلا قلوبَ أتباعه المنقادة إليه عن الله محبوسةٌ مصدودة.

فحقٌّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا عن الله واعيًا، أن يجعل على هذين الأصلين مدارَ أقواله وأعماله، وأن يُصَيِّرهما آخِيَّتَه١ التي إليها مفزعُه في حياته ومآله.

فلا جَرَمَ كان وضعُ هذا الكتاب مؤسَّسًا على هاتين القاعدتين، ومقصودُه التعريف بشرف هذين الأصلين، وسمَّيتُه: «مفتاح دار السَّعادة ومنشور٢ ولاية العلم٣ والإرادة»؛ إذ كان هذا من بعض النُّزُلِ٤ والتُّحَف التي فتح الله بها عليَّ حين انقطاعي إليه عند بيته، وإلقائي نفسي ببابه مسكينًا ذليلًا، وتعرُّضي لنفحاته في بيته وحوله بكرةً وأصيلًا، فما خابَ من أنزل به حوائجَه، وعلَّق به آمالَه، وأصبح ببابه مقيمًا وبحِمَاه نزيلًا.

  1. (١) (ق): «أجنده». والآخيَّة: عودٌ يعرض في الحائط، ويُدْفَنُ طرفاه فيه، ويصير وسطه كالعروة، تُشَدُّ إليه الدابة. وفي الحديث: «مثل المؤمن ومثل الإيمان كمثل الفرس في آخيَّته، يجول ثم يرجع إلى آخيَّته، وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الإيمان». «النهاية» (١/ ٢٩)، و«صحيح ابن حبان» (٦١٦).
  2. (٢) (ت): «ومنتهى».
  3. (٣) (ق): «ولاية أهل العلم».
  4. (٤) وهو ما يهيَّأ للنزيل من الضيافة. «اللسان» (نزل).
126

ولما كان العلمُ إمام الإرادة، ومقدَّمًا عليها، ومفصِّلًا لها، ومرشدًا إليها، قدَّمنا الكلام عليه على الكلام على المحبة.

ثم نُتْبِعُه ــ إن شاء الله ــ بعد الفراغ منه كتابًا في الكلام على المحبة، وأقسامها، وأحكامها، وفوائدها، وثمراتها، وأسبابها، وموانعها، وما يقوِّيها، وما يُضْعِفُها، والاستدلال بسائر طرق الأدلَّة من النقل والعقل والفطرة والقياس والاعتبار والذَّوق والوَجْد على تعلُّقها بالإله الحقِّ الذي لا إله غيره، بل لا ينبغي أن تكونَ إلا له، ومِنْ أجله، والردِّ على من أنكر ذلك، وتبيين فساد قوله عقلًا ونقلًا، وفطرةً وقياسًا، وذوقًا ووَجْدًا١.

فهذا مضمونُ هذه التحفة، وهذه عرائسُ معانيها الآن تُجْلى عليك، وخُودُ أبكارها البديعة الجمال تَرْفُلُ في حُلَلِها وهي تُزَفُّ إليك، فإما «شمسٌ منازلُها بسَعْد الأسعد»٢، وإما «خَوْدٌ تُزَفُّ إلى ضريرٍ مُقْعَد»٣، فاختر لنفسك إحدى الخُطَّتين، وأنزِلها فيما شئتَ من المنزلتين، ولا بدَّ لكلِّ

  1. (١) وهو كتابه الكبير في المحبة، واسمه: «المورد الصافي والظلُّ الضافي»، ولعله هو «قرة عيون المحبين وروضة العارفين»، أما الصغير فهو «روضة المحبين». انظر: «طريق الهجرتين» (١٢٤)، و«مدارج السالكين» (١/ ٩٢، ٢/ ٥٤، ٣/ ١٩)، و«ابن القيم» للشيخ بكر أبو زيد (٢٥٣، ٣٠٥). وقد بحث المصنف مسائل المحبة كذلك في كتابيه: «الفتوحات القدسية»، و«التحفة المكية»، كما أشار إلى ذلك في «بدائع الفوائد» (٩٥، ٨٤٥، ٨٤٦).
  2. (٢) وهو أحمدُ السُّعود من المنازل. ويقال له: سعد السُّعود. وهو أشهر.
  3. (٣) الخَوْد: الفتاة الشابة الحسنة الخَلْق. وهذا مثلٌ يكثر دورانه في كتب المصنف، وهو شطر بيتٍ للحسين بن الحجاج (ت: ٣٩١) سفيه الأدباء، في «المنتخل» (٥١٦)، و«التمثيل والمحاضرة» (١١٨)، و«اليتيمة» (٣/ ٦٠). ولم أجده في «درة التاج»، و«تلطيف المزاج».
127

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي