مفتاح دار السعادة

النبي ﷺ: «مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآنَ كمثل الأُترُجَّة، طعمُها طيِّبٌ وريحُها طيِّب، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآنَ كمثل التمرة، طعمُها طيِّب ولا ريحَ لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحُها طيِّبٌ وطعمُها مُرٌّ، ومثلُ المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة، طعمُها مرٌّ ولا ريحَ لها»١.

فجعل الناسَ أربعةَ أقسام:

الأول: أهلُ الإيمان والقرآن؛ وهم خيارُ الناس.

والثاني: أهلُ الإيمان الذين لا يقرؤونَ القرآن؛ وهم دونهم.

فهؤلاء هم السعداء.

والأشقياء قسمان:

أحدهما: من أوتي قرآنًا بلا إيمان، فهو منافق.

والثاني: من لا أوتي قرآنًا ولا إيمانًا.

والمقصود: أنَّ القرآنَ والإيمانَ هما نورٌ يجعلُه الله في قلب من يشاءُ من عباده، وأنهما أصلُ كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة، وعلمُهما أجلُّ العلوم٢ وأفضلُها، بل لا علمَ في الحقيقة ينفعُ صاحبه إلا علمُهما، والله يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مستقيم.

الوجه الثالث والثلاثون: أنَّ الله سبحانه جعَل صيدَ الكلب الجاهل ميتةً يحرمُ أكلُها، وأباحَ صيدَ الكلب المعلَّم.

  1. (١) «صحيح البخاري» (٥٠٢٠)، و«صحيح مسلم» (٧٩٧).
  2. (٢) (د، ق): «أصل العلوم».
149

وهذا أيضًا من شرف العلم: أنه لا يباحُ إلا صيدُ الكلب العالِم، وأما الكلبُ الجاهلُ فلا يحلُّ أكلُ صيده؛ فدلَّ على شرف العلم وفضله، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]، ولولا مزيَّةُ العلم والتعليم وشرفُهما كان صيدُ الكلب المعلَّم والجاهل سواءً.

الوجه الرابع والثلاثون: أنَّ الله سبحانه أخبرنا عن صفيِّه وكليمه الذي كتبَ له التوراة بيده وكلَّمه منه إليه، أنه رَحَل إلى رجلٍ عالمٍ يتعلَّمُ منه، ويزدادُ علمًا إلى علمه، وقال لفتاه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾١؛ حرصًا منه على لقاء هذا العالم، وعلى التعلُّم منه، فلما لقيه سلكَ معه مسلكَ المتعلِّم مع معلِّمه، وقال له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾٢، فبدأه بعد السلام بالاستئذان على متابعته، وأنه لا يتَّبعُه إلا بإذنه٣، وقال: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، فلم يجاء مُسْتَمْحِنًا ولا متعنِّتًا، وإنما جاء متعلِّمًا مستزيدًا علمًا إلى علمه.

وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للعلم؛ فإنَّ نبيَّ الله وكليمَه سافر ورحل حتى لقي النَّصَب من سفره في تعلُّم ثلاث مسائل من رجلٍ عالم، ولمَّا سمعَ به لم يقرَّ له قرارٌ حتى لقيه وطلب منه متابعتَه وتعليمَه.

  1. (١) كما في سورة الكهف: ٦٠.
  2. (٢) سورة الكهف: ٦٦.
  3. (٣) (ح، ن): «بإذنه وأمره».
150

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي