فقد وصفَ أهلَ الشقاء ــ كما ترى ــ بعدم العلم، وشبَّههم تارةً بالأنعام، وتارةً بالحمار الذي يحملُ الأسفار، وتارةً جعلهم أضلَّ من الأنعام، وتارةً جعلهم شرَّ الدوابِّ عنده، وتارةً جعلهم أمواتًا غير أحياء، وتارةً أخبرَ أنهم في ظلمات الجهل والضلال، وتارةً أخبرَ أنَّ على قلوبهم أكنَّة١، وفي آذانهم وقرًا، وعلى أبصارهم غشاوة.
وهذا كلُّه يدلُّ على قبح الجهل، وذمِّه أهلَه٢، وبغضه لهم، كما أنه يُحِبُّ أهلَ العلم ويمدحُهم ويثني عليهم، كما تقدَّم، والله المستعان.
الوجه الحادي والأربعون: ما في «الصحيحين» من حديث معاوية ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهه في الدِّين»٣، وهذا يدلُّ على أنَّ من لم يفقِّهه في دينه لم يُرِد به خيرًا، كما أنَّ
(١) (ح، ن): «أكنة أن يفقهوه».
(٢) (ح): «وذم أهله».
(٣) «صحيح البخاري» (٧١)، و«صحيح مسلم» (١٠٣٧).
من أرادَ به خيرًا فقَّهه في دينه، ومن فقَّهه في دينه فقد أراد به خيرًا= إذا أريدَ بالفقه العلمُ المستلزمُ للعمل.
وأمَّا إن أريدَ به مجردُ العلم فلا يدلُّ على أنَّ من فَقُهَ في الدِّين فقد أُرِيدَ به خيرًا؛ فإنَّ الفقه حينئذٍ يكونُ شرطًا لإرادة الخير، وعلى الأول يكونُ موجِبًا، والله أعلم.
الوجه الثاني والأربعون: ما في «الصحيحين» أيضًا من حديث أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ مَثَل ما بعثني اللهُ به من الهدى والعلم كمثل غيثٍ أصاب أرضًا، فكانت منها طائفةٌ طيِّبةٌ قَبِلَت الماء، فأنبتت الكلأ والعشبَ الكثير، وكان منها أجادبُ أمسكت الماء، فنفعَ اللهُ بها الناس، فشربوا منها وسَقوا وزرَعوا، وأصاب طائفةً منها أخرى إنما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنبِتُ كلأً؛ فذلك مثَلُ من فَقُهَ في دين الله ونفعه بما بعثني الله به، فعَلِمَ وعلَّم، ومثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أُرسِلتُ به»١.
شبَّهَ ﷺ العلمَ والهدى الذي جاء به بالغيث؛ لِمَا يحصلُ بكلِّ واحدٍ منهما من الحياة والمنافع والأغذية والأدوية وسائر مصالح العباد، فإنها بالعلم والمطر.
وشبَّه القلوبَ بالأراضي التي تقعُ عليها المطر؛ لأنها المحلُّ الذي يمسكُ الماء، فينبتُ سائر أنواع النبات النافع، كما أنَّ القلوبَ تعي العلمَ فيثمرُ فيها ويزكو، وتظهرُ بركتُه٢ وثمرتُه.