مفتاح دار السعادة

من ذلك الجوهر بسبب مخالطتها، فإنه يُقْذَفُ ويلقى به، ويستقرُّ الجوهرُ الخالصُ وحده.

وضربَ سبحانه مثلًا بالماء؛ لما فيه من الحياة والتبريد والمنفعة، ومثلًا بالنار؛ لما فيها من الإضاءة والإشراق والإحراق، فآياتُ القرآن تحيي القلوبَ كما تحيى الأرضُ بالماء، وتُحْرِقُ خبثَها وشبهاتها وشهواتها وسخائمَها كما تُحْرِقُ النارُ ما يلقى فيها، وتميِّزُ زَبَدَها من زُبَدِها١ كما تميِّزُ النارُ الخبثَ من الذهب والفضَّة والنحاس ونحوه منه.

فهذا بعض ما في المثل العظيم من العبرة والعلم، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. الوجه الثالث والأربعون: ما في «الصحيحين» أيضًا من حديث سهل بن سعدٍ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال لعليٍّ ﵁: «لأنْ يهديَ بك اللهُ رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم»٢.

وهذا يدلُّ على فضل العلم والتعليم، وشرف منزلة أهله، بحيث إذا اهتدى رجلٌ واحدٌ بالعالِم كان ذلك خيرًا له من حُمْرِ النَّعَم ــ وهي خيارُها وأشرفُها عند أهلها ــ، فما الظَّنُّ بمن يهتدي به كلَّ يومٍ طوائفُ من الناس؟!

الوجه الرابع والأربعون: ما روى مسلمٌ في «صحيحه» من حديث أبي

  1. (١) كذا في الأصول. مضبوطة في (د، ح). و«الزُّبَد» جمعُ زُبدة، وهي الخالصُ من الشيء. وأصلُها ما خَلَص من اللبن إذا مُخِض.
  2. (٢) «صحيح البخاري» (٢٩٤٢)، و«صحيح مسلم» (٢٤٠٦).
166

هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئًا»١.

أخبرَ ﷺ أنَّ المتسبِّبَ إلى الهدى بدعوته له مثلُ أجر من اهتدى به، والمتسبِّبَ إلى الضلالة بدعوته عليه مثلُ إثم من ضلَّ به؛ لأنَّ هذا بذلَ قدرتَه في هداية الناس، وهذا بذلَ قدرتَه في ضلالهم، فنُزِّل كلُّ واحدٍ منهما بمنزلة الفاعل التَّام.

وهذه قاعدةُ الشريعة، كما هو مذكورٌ في غير هذا الموضع٢؛ قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].

وهذا يدلُّ على أنَّ من دعا الأمَّة إلى غير سنة رسول الله ﷺ فهو عدوُّه حقًّا؛ لأنه قَطَعَ وصولَ أجر من اهتدى بسنَّته إليه٣، وهذا من أعظم معاداته، نعوذُ بالله من الخذلان. الوجه الخامس والأربعون: ما خرَّجا في «الصحيحين» من حديث ابن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل

  1. (١) «صحيح مسلم» (٢٦٧٤).
  2. (٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٧٢٤)، و«طريق الهجرتين» (٧٨٥).
  3. (٣) (ح، ن): «بسببه». (ت): «بسنة الله».
167

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي