هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثلُ أجور من تبعه، لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام من تبعه، لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئًا»١.
أخبرَ ﷺ أنَّ المتسبِّبَ إلى الهدى بدعوته له مثلُ أجر من اهتدى به، والمتسبِّبَ إلى الضلالة بدعوته عليه مثلُ إثم من ضلَّ به؛ لأنَّ هذا بذلَ قدرتَه في هداية الناس، وهذا بذلَ قدرتَه في ضلالهم، فنُزِّل كلُّ واحدٍ منهما بمنزلة الفاعل التَّام.
وهذه قاعدةُ الشريعة، كما هو مذكورٌ في غير هذا الموضع٢؛ قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾[النحل: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾[العنكبوت: ١٣].
وهذا يدلُّ على أنَّ من دعا الأمَّة إلى غير سنة رسول الله ﷺ فهو عدوُّه حقًّا؛ لأنه قَطَعَ وصولَ أجر من اهتدى بسنَّته إليه٣، وهذا من أعظم معاداته، نعوذُ بالله من الخذلان. الوجه الخامس والأربعون: ما خرَّجا في «الصحيحين» من حديث ابن مسعودٍ ﵁، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لا حسدَ إلا في اثنتين: رجل
آتاه اللهُ مالًا فسلَّطه على هَلَكَتِه في الحقِّ، ورجل آتاه اللهُ الحكمة فهو يقضي بها ويعلِّمها»١.
فأخبرَ ﷺ أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يحسدَ أحدًا ــ يعني: حسدَ غِبْطة ــ ويتمنَّى مثلَ حاله من غير أن يتمنَّى زوال نعمة الله عنه= إلا في واحدةٍ من هاتين الخصلتين، وهي الإحسانُ إلى الناس بعلمه، أو بماله. وما عدا هذين فلا ينبغي غبطتُه ولا تمنِّي مثل حاله؛ لقلَّة منفعة الناس به.
الوجه السادس والأربعون: قال الترمذي: «حدثنا محمد بن عبد الأعلى: حدثنا سلمةُ بن رجاء: حدثنا الوليدُ بن جميل: حدثنا القاسم، عن أبي أمامة الباهليِّ قال: ذُكِرَ لرسول الله ﷺ رجلان، أحدُهما عابد، والآخرُ عالم، فقال رسولُ الله ﷺ: «فضلُ العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثم قال رسولُ الله ﷺ: «إنَّ اللهَ وملائكتَه وأهلَ السموات والأرض، حتى النملة في جُحْرها، وحتى الحوتَ في بَحْره، ليصلُّون على معلِّم الناس الخير»٢.
قال الترمذي: «وهذا حديثٌ حسنٌ غريب، سمعتُ أبا عمار الحسين بن
(١) «صحيح البخاري» (٧٣)، و«صحيح مسلم» (٨١٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٨٥)، والطبراني في «الكبير» (٨/ ٢٣٣)، وغيرهما بإسنادٍ فيه ضعف. وفي نسخة الكروخي (ق ١٧٧/أ) و«تحفة الأشراف» (٤/ ١٧٧): «حسن غريب صحيح». وفي المطبوعة: «حسن غريب». ولأول الحديث شاهدٌ من مرسل مكحول والحسن عند الدارمي (٢٩٤، ٣٤٦)، ولآخره شاهد من حديث أبي الدرداء ﵁، وسيأتي.