مفتاح دار السعادة

عالِم»، وهذا حديثٌ حسن١.

والطريقُ التي يسلُكها إلى الجنة جزاءٌ على سلوكه في الدنيا طريقَ العلم الموصلة إلى رضا ربِّه.

ووَضعُ الملائكة أجنحتها له تواضعًا وتوقيرًا وإكرامًا لما يحملُه من ميراث النبوَّة ويطلبُه، وهو يدلُّ على المحبة والتعظيم، فمن محبة الملائكة له وتعظيمه تضعُ أجنحتها له؛ لأنه طالبٌ لما به حياةُ العالَم ونجاتُه، ففيه شبهٌ من الملائكة، وبينه وبينهم تناسُب، فإنَّ الملائكةَ أنصحُ خلق الله وأنفعُهم لبني آدم، وعلى أيديهم حصلَ لهم كلُّ سعادةٍ وعلمٍ وهدى.

ومِنْ نفعهم لبني آدم ونُصْحِهم أنهم يستغفرون لمسيئهم، ويُثَبِّتون٢ مؤمنيهم، ويعينونهم على أعدائهم من الشياطين، ويحرصون على مصالح العبد أضعافَ حرصه على مصلحة نفسه، بل يريدون له من خير الدنيا والآخرة ما لا يريدُ العبدُ ولا يخطرُ له ببال؛ كما قال بعض التابعين: «وجدنا

  1. (١) أخرجه أبو يعلى في «مسنده الكبير»، كما في «المطالب العالية» (٣/ ٣٣٢)، و«إتحاف الخيرة» (١/ ٢١٠)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٣٣١)، ومن طريقه الرافعي في «التدوين» (٣/ ٤٦١).
    وخالد بن يزيد ضعيف، واتهمه بعضهم. انظر: «التهذيب» (٣/ ١٢٧). وعثمانُ بن أيمن لم أر من وثقه، وترجمه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/ ٣١٨) وخرَّج له هذا الحديث، ولم يَحْكِ فيه جرحًا ولا تعديلًا. وانظر: «مجمع الزوائد» (١/ ٢٠٢). والوليدُ مشهورٌ بالتدليس ولم يصرِّح بالتحديث. ولعل المصنف أراد بتحسين الحديث حُسْنَ معناه وسياقته.
  2. (٢) (ق): «ويثنون على».
171

الملائكةَ أنصحَ خلق الله لعباده، ووجدنا الشياطين أغشَّ الخلق للعباد»١.

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ٧ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٨ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩].

فأيُّ نصحٍ للعباد مثلُ هذا إلا نصح الأنبياء!

فإذا طلبَ العبدُ العلمَ فقد سعى في أعظم ما ينصحُ به عبادَ الله؛ فلذلك تحبُّه الملائكة وتعظِّمُه، حتى تضعَ أجنحتَها له رضًا ومحبةً وتعظيمًا.

وقال أبو حاتم الرازي: سمعتُ ابن أبي أويس يقول: سمعتُ مالك بن أنس يقول: معنى قول رسول الله ﷺ: «تضعُ أجنحتها» يعني: تبسُطها بالدُّعاء لطالب العلم، بدلًا من الأيدي٢.

وقال أحمدُ بن مروان المالكي في كتاب «المجالسة» له: حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري، قال: سمعتُ أحمد بن شعيب يقول: كنَّا عند بعض المحدِّثين بالبصرة، فحدَّثنا بحديث النبي ﷺ: «إنَّ الملائكة لتضعُ أجنحتَها لطالب العلم»، وفي المجلس معنا رجلٌ من المعتزلة، فجعل

  1. (١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ١٧٨)، والطبري (٢١/ ٣٥٧)، وغيرهما عن مطرف بن عبد الله بن الشخير.
  2. (٢) انظر: «التمهيد» (١٩/ ٤٣).
172

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي