قال أبو عبد الله الحاكم: إسناده صحيح. وقال ابن عبد البر: هو حديثٌ صحيحٌ حسنٌ ثابتٌ محفوظٌ مرفوع، ومثلُه لا يقالُ بالرأي.
ففي هذا الحديث حَفُّ الملائكة له بأجنحتها إلى السماء، وفي الأول وضعُها أجنحتَها له؛ فالوضعُ تواضعٌ وتوقيرٌ وتبجيل، والحَفُّ بالأجنحة حفظٌ وحمايةٌ وصيانة. فتضمَّنَ الحديثان تعظيمَ الملائكة له، وحبَّها إياه، وحياطتَه وحفظَه؛ فلو لم يكن لطالب العلم إلا هذا الحظُّ الجزيلُ لكفى به شرفًا وفضلًا.
وقولُه ﷺ: «إنَّ العالم ليستغفرُ له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء»؛ فإنه لمَّا كان العالِمُ سببًا في حصول العلم الذي به نجاةُ النفوس من أنواع الهَلَكات، وكان سعيُه مقصورًا على هذا، وكانت نجاةُ العباد على يديه= جُوزِيَ من جنس عمله، وجُعِل من في السموات والأرض ساعيًا في نجاته من أسباب الهَلَكات، باستغفارهم له؛ وإذا كانت الملائكةُ تستغفرُ للمؤمنين، فكيف لا تستغفرُ لخاصَّتهم وخُلاصتهم؟!
وقد قيل: إنَّ «من في السموات ومن في الأرض» المستغفرين للعالِم
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٣٥، ٣٥٣٦)، والنسائي (١٥٨)، وابن ماجه (٢٢٦)، وأحمد (٤/ ٢٣٩)، والطيالسي (١٢٦٢)، وغيرهم. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وصححه ابن خزيمة (١٧، ١٩٣)، وابن حبان (٨٥، ١١٠٠، ١٣١٩)، والحاكم (١/ ١٠١)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ١٥٩) ــ ونقل المصنفُ عبارته ــ، وخرَّجه الضياء في «المختارة» (٢٣، ٣٠).
عامٌّ في الحيوانات، ناطقِها وبهيمِها، طيرِها وغيره. ويؤكِّدُ هذا قولُه: «حتى الحيتان في الماء، وحتى النملةُ في جُحْرها».
فقيل: سببُ هذا الاستغفار أنَّ العالِمَ يعلِّمُ الخلقَ مراعاةَ هذه الحيوانات، ويعرِّفُهم ما يحلُّ منها وما يحرُم، ويعرِّفُهم كيفيةَ تناولها، واستخدامها، وركوبها، والانتفاع بها، وكيفيةَ ذبحها على أحسن الوجوه وأرفقها بالحيوان، والعالِمُ أشفقُ الناس على الحيوان، وأقومُهم ببيان ما خُلِقَ له١.
وبالجملة؛ فالرحمةُ والإحسانُ التي خُلِقَ بهما ولهما الحيوان، وكُتِبَ لهما حظُّهما منه، إنما يُعْرَفُ بالعلم، فالعالِمُ مُعرِّفٌ لذلك؛ فاستحقَّ أن تستغفر له البهائم، والله أعلم.
وقولُه: «وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب» تشبيهٌ مُطابِقٌ لحال القمر والكواكب؛ فإنَّ القمرَ يضيءُ الآفاق، ويمتدُّ نورُه في أقطارِ العالَم٢، وهذه حالُ العالِم. وأما الكوكبُ فنورُه لا يجاوزُ نفسَه، أو ما قَرُبَ منه، وهذه حالُ العابد الذي يضيءُ نورُ عبادته عليه دون غيره، وإن جاوز نورُ عبادته غيرَه فإنما يجاوزُه غير بعيد، كما يجاوزُ ضوءُ الكوكب له مجاوزةً يسيرة.
ومن هذا الأثرُ المرويُّ: «إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله للعابد: ادخل الجنة، فإنما كانت منفعتُك لنفسك، ويقالُ للعالِم: اشفَع تُشَفَّع، فإنما كانت
(١) انظر: «الكاشف عن حقائق السنن» للطِّيبي (١/ ٣٧٢)، و«الميسَّر» للتوربشتي (١/ ١٠٤)، و«تذكرة السامع والمتكلم» لابن جماعة (٣١).