وروى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄: «إذا كان يومُ القيامة يؤتى بالعابد والفقيه، فيقال للعابد: ادخُل الجنة، ويقال للفقيه: اشفَع»٢.
وفي التشبيه المذكور لطيفةٌ أخرى: وهو أنَّ الجهلَ كالليل في ظلمته وحِنْدِسِه، والعلماءُ والعُبَّادُ بمنزلة القمر والكواكب الطَّالعة في تلك الظُّلمة، وفضلُ نور العالِم فيها على نور العابد كفضل نور القمر على الكواكب.
وأيضًا؛ فالدِّينُ قِوامُه وزينتُه وأمَنَتُه بعلمائه وعُبَّاده؛ فإذا ذهبَ علماؤه وعُبَّاده ذهب الدِّين، كما أنَّ السماءَ أمَنَتُها وزينتُها بقمرها وكواكبها؛ فإذا خَسَفَ قمرُها وانتثرت كواكبُها أتاها ما تُوعَد، وفضلُ علماء الدِّين على العُبَّاد كفضل ما بين القمر والكواكب.
فإن قيل: فكيف وقعَ تشبيهُ العالم بالقمر دون الشمس، وهي أعظمُ نورًا؟
(١) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١١١) من حديث أنسٍ مرفوعًا بإسنادٍ شديد الضعف. وبنحوه أخرجه ابنُ عدي في «الكامل» (٢/ ٤١٢، ٦/ ٤٣٨)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٣٤٦)، وابن عبد البر في «الجامع» (١/ ١٠٨) عن جابرٍ مرفوعًا بإسنادين شديدَي الضعف.
(٢) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١١٢) بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا. وأخرجه أبو القاسم التيمي في «الترغيب والترهيب» (٢١٥٧) من حديث أبي أمامة مرفوعًا بإسنادٍ ضعيف.
قيل: فيه فائدتان١:
إحداهما: أنَّ نور القمر لما كان مستفادًا من غيره كان تشبيهُ العالِم الذي نورُه مستفادٌ من شمس الرسالة بالقمر أولى من تشبيهه بالشمس.
الثانية: أنَّ الشمسَ لا يختلفُ حالها في نورها، ولا يلحقُها محاقٌ٢ ولا تفاوتٌ في الإضاءة، وأمَّا القمرُ فإنه يقلُّ نوره ويكثُر ويمتلاءُ وينقصُ؛ كما أنَّ العلماءَ في العلم على مراتبهم من كثرته وقلَّته، فيفضَّلُ كلٌّ منهم في علمه بحسب كثرته وقلَّته، وظهوره وخفائه، كما يكونُ القمرُ كذلك، فعالِمٌ كالبدر ليلة تِمِّه٣، وآخرُ دونه بليلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ وما بعدها إلى آخر مراتبه، وهم درجاتٌ عند الله.
فإن قيل: تشبيهُ العلماء بالنجوم أمرٌ معلوم، كقوله ﷺ: «أصحابي كالنجوم»٤، ولهذا هي في تعبير الرؤيا عبارةٌ عن العلماء٥، فكيف وقعَ
(١) انظر: «الذخيرة» للقرافي (١/ ٤٣).
(٢) مثلَّثة الميم. أي: نقصانُ ضوء. والمحاق: آخرُ الشهر إذا انمحقَ الهلالُ فلم يُرَ، سُمِّي بذلك لأنه طلع مع الشمس فمَحَقَته. «اللسان» (محق).
(٣) أي: اكتماله وتمامه. وهذا التركيب كثيرُ الورود في الشِّعر.
(٤) جاء من حديث جماعةٍ من الصحابة بألفاظٍ مختلفة. ولا يصحُّ منها شيء. وقد حكم بردِّه الإمام أحمد، والبزار، وغيرُ واحدٍ من المتأخرين. انظر: «المنتخب من العلل للخلال» (١٤٣)، و«جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٢٣)، و«تحفة الطالب» لابن كثير (١٦٦)، و«موافقة الخُبْر الخَبر» (١/ ١٤٥)، و«التلخيص الحبير» (٤/ ١٩٠)، و«السلسلة الضعيفة» (٥٨).