ثمَّ لما كان الغالبُ على الناس أنَّ أحدهم يريد الدنيا لولده من بعده، ويسعى ويتعبُ ويَحْرِمُ نفسَه لولده= سدَّ هذه الذَّريعة عن أنبيائه ورسله، وقطعَ هذا الوهمَ الذي عساه أن يخالط كثيرًا من النفوس التي تقول: فلعله إن لم١ يطلب الدنيا [لنفسه] فهو يحصِّلها٢ لولده= فقال ﷺ: «نحن معاشرَ الأنبياء لا نُورَث، ما تركنا فهو صدقة»٣.
فلم تُورِّث الأنبياءُ دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم.
وأما قولُه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ فهو ميراثُ العلم والنبوَّة، لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسِّرين وغيرهم٤، وهذا لأنَّ داود ﵇ كان له أولادٌ كثيرٌ سوى سليمان، فلو كان الموروثُ هو المال لم يكن سليمان يختصُّ به٥.
وأيضًا؛ فإنَّ كلامَ الله يصانُ عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: «مات فلانٌ وورثه ابنُه»، ومن المعلوم أنَّ كلَّ أحدٍ يرثُه ابنُه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة.
وأيضًا؛ فإنَّ ما قبل الآية وما بعدها يبيِّنُ أنَّ المرادَ بهذه الوِراثة وراثةُ العلم والنبوَّة، لا وراثةُ مال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا
(١) (ت، د، ق): «فلعله لم».
(٢) (ت): «تحصيله». وما بين المعكوفين يقتضيه السياق، وليس في الأصول.
وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٥ - ١٦]، وإنما سِيقَ هذا لبيان١ فضل سليمان وما خصَّه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوَّة، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾[النمل: ١٦].
وكذلك قولُ زكريا ﷺ: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَاءِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ٥ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾[مريم: ٥ - ٦]، فهذا ميراثُ العلم والنبوَّة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يُظَنُّ بنبيٍّ كريمٍ أنه يخافُ عصبتَه أن يرثوه مالَه، فيسألُ الله العظيمَ ولدًا يمنعهم ميراثه٢، ويكونُ أحقَّ به منهم. وقد نزَّه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله. فبُعْدًا لمن حرَّف كتاب الله وردَّ على رسوله كلامَه، ونسبَ الأنبياءَ إلى ما هم أبرياءُ منزَّهون عنه، والحمدُ لله على توفيقه وهدايته.
ويُذْكرُ عن أبي هريرة ﵁ أنه مرَّ بالسوق، فوجدهم في تجاراتهم وبِيَاعاتهم٣، فقال: أنتم هاهنا فيما أنتم فيه وميراثُ رسول الله ﷺ يقسَّمُ في مسجده! فقاموا سِراعًا إلى المسجد، فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذِّكر ومجالس العلم، فقالوا: أين ما قلتَ يا أبا هريرة؟ فقال: هذا ميراثُ محمَّد ﷺ يقسَّمُ بين ورثته، وليس بمواريثكم ودنياكم٤. أو كما قال.
(١) (ت): «سبق هذا البيان».
(٢) (ت): «يرثهم ميراثهم».
(٣) البِيَاعات: الأشياء التي يُتبايَع بها في التجارة. «اللسان» (بيع).
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١٤٢٩) بإسنادٍ فيه من لا يُعْرَف. وحسَّنه المنذري في «الترغيب» (١/ ١٣٤)، والهيثمي في «المجمع» (١/ ١٢٤).