وقد رُوِي بإسنادٍ فيه من لا يحتجُّ به من حديث عاصم بن أبي النَّجود، عن زِرِّ بن حُبيش، عن عمر بن الخطاب يرفعُه: «إنَّ الفقيهَ أشدُّ على الشيطان من ألف وَرِع، وألف مجتهد، وألف متعبِّد»١.
وقال المزني: «رُوِي عن ابن عباس أنه قال: إنَّ الشياطين قالوا لإبليس: يا سيِّدنا، ما لنا نراكَ تفرحُ بموت العالِم ما لا تفرحُ بموت العابد والعالِمُ لا نُصِيبُ منه والعابدُ نُصِيبُ منه؟!٢، قال: انطلقوا. فانطلقوا إلى عابد، فأتوه في عبادته فقالوا: إنَّا نريدُ أن نسألك. فانصرَف. فقال إبليس: هل يقدرُ ربُّك أن يجعلَ الدنيا في جوف بيضة؟ فقال: لا أدري. فقال: أترونه كَفَر في ساعة؟!
ثمَّ جاؤوا إلى عالِمٍ في حَلْقته يُضاحِكُ أصحابَه ويحدِّثهم، فقالوا: إنَّا نريدُ أن نسألك. فقال: سَلُوا. فقالوا: هل يقدرُ ربُّك أن يجعل الدنيا في جوف بيضة؟ قال: نعم. قالوا: كيف؟ قال: يقول: كُن فيكون؛ فقال: أترونَ ذلك لا يَعْدُو نفسَه، وهذا يُفسِدُ عليَّ عالَمًا كثيرًا؟!»٣.
(١) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٢٤). وهو كما قال المصنف.
(٢) في طرَّة (ح): «لعله: العالم نصيب منه، والعابد لا نصيب منه».
(٣) أخرجها الخطيبُ في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٢٤). وبين المزنيِّ وابنِ عباسٍ مفاوز. وعلَّقه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ١٢٩). ورواها ابن أبي الدنيا عن بعض البصريين. انظر: «آكام المرجان» (٢٠٦).
وقد رُوِيَت هذه الحكايةُ على وجهٍ آخر، وأنهم سألوا العابد فقالوا: هل يقدرُ ربُّك أن يخلقَ مثل نفسه؟ فقال: لا أدري. فقال: أترونه لم تنفعه عبادتُه مع جهله؟!
وسألوا العالِمَ عن ذلك، فقال: هذه المسألةُ مُحال؛ لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقًا، فكونُه مخلوقًا وهو مثلُ نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقًا لم يكن مثلَه، بل كان عبدًا من عبيده، وخلقًا من خلقه. فقال: أترونَ هذا يهدمُ في ساعةٍ ما أبنيه في سنين؟! أو كما قال.
ورُوِي عن عبد الله بن عمر١: «فضلُ العالم على العابد سبعين درجة، بين كلِّ درجتين حُضْرُ الفَرَس٢ سبعين عامًا؛ وذلك أنَّ الشيطان يضعُ البدعة، فيبصرُها العالِمُ فينهى عنها، والعابدُ مقبلٌ على عبادة ربِّه لا يتوجَّهُ لها ولا يعرفُها»٣.
(٣) أخرجه أبو القاسم التيمي الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (٢١٤٣) عن ابن عمر مرفوعًا بإسنادٍ شديد الضعف، وضعَّفه العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (١/ ١٥). وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٣٣): «وعَجُزُ الحديث يُشْبِهُ المُدْرَج». قلت: وهو كما قال، وقد ورد بدونه من حديث أبي هريرة مرفوعًا عند ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٣٤)، والخطيب في «الموضح» (٢/ ١٩٦)، وقال ابن عدي: «وهذا بهذا الإسناد منكر». ورُوِي من وجهٍ آخر مرسلًا، قال الدارقطني في «العلل» (٩/ ٢٦٧): «والمرسل أصح».