وقد رُوِيَت هذه الحكايةُ على وجهٍ آخر، وأنهم سألوا العابد فقالوا: هل يقدرُ ربُّك أن يخلقَ مثل نفسه؟ فقال: لا أدري. فقال: أترونه لم تنفعه عبادتُه مع جهله؟!
وسألوا العالِمَ عن ذلك، فقال: هذه المسألةُ مُحال؛ لأنه لو كان مثله لم يكن مخلوقًا، فكونُه مخلوقًا وهو مثلُ نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقًا لم يكن مثلَه، بل كان عبدًا من عبيده، وخلقًا من خلقه. فقال: أترونَ هذا يهدمُ في ساعةٍ ما أبنيه في سنين؟! أو كما قال.
ورُوِي عن عبد الله بن عمر١: «فضلُ العالم على العابد سبعين درجة، بين كلِّ درجتين حُضْرُ الفَرَس٢ سبعين عامًا؛ وذلك أنَّ الشيطان يضعُ البدعة، فيبصرُها العالِمُ فينهى عنها، والعابدُ مقبلٌ على عبادة ربِّه لا يتوجَّهُ لها ولا يعرفُها»٣.
(٣) أخرجه أبو القاسم التيمي الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (٢١٤٣) عن ابن عمر مرفوعًا بإسنادٍ شديد الضعف، وضعَّفه العراقي في «المغني عن حمل الأسفار» (١/ ١٥). وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ١٣٣): «وعَجُزُ الحديث يُشْبِهُ المُدْرَج». قلت: وهو كما قال، وقد ورد بدونه من حديث أبي هريرة مرفوعًا عند ابن عدي في «الكامل» (٤/ ١٣٤)، والخطيب في «الموضح» (٢/ ١٩٦)، وقال ابن عدي: «وهذا بهذا الإسناد منكر». ورُوِي من وجهٍ آخر مرسلًا، قال الدارقطني في «العلل» (٩/ ٢٦٧): «والمرسل أصح».
وهذا معناه صحيح؛ فإنَّ العالِمَ يُفْسِدُ على الشيطان ما يسعى فيه، ويهدمُ ما يبنيه، فكلما أراد إحياءَ بدعةٍ وإماتةَ سُنَّةٍ حالَ العالِمُ بينه وبين ذلك، فلا شيء أشدُّ عليه من بقاء العالِم بين ظهراني الأمَّة، ولا شيء أحبُّ إليه من زواله من بين أظهرهم؛ ليتمكَّن من إفساد الدِّين وإغواء الأمَّة، وأما العابدُ فغايته أن يجاهدَه ليسلَم منه في خاصَّة نفسه، وهيهات له ذلك.
الوجه التاسع والأربعون: ما روى الترمذيُّ من حديث أبي هريرة ﵁، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكرُ الله وما والاه وعالمٌ ومتعلِّم»١.
قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن»٢.
ولمَّا كانت الدنيا حقيرةً عند الله لا تساوي لديه جناح بعوضة، كانت ــ وما فيها ــ في غاية البعد منه، وهذا هو حقيقةُ اللَّعنة.
(١) أخرجه الترمذي (٢٣٢٢)، وابن ماجه (٤١١٢)، وغيرهما من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة. وعبد الرحمن فيه ضعف، وقال العقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٣٢٦): «لا يتابعه إلا من هو دونه أو مثله» وانظر: «العلل المتناهية» (٢/ ٧٩٦). وأخرجه البغويُّ في «شرح السنة» (١٤/ ٢٢٩) مرسلًا، وهو أصحُّ. ورُوِي من أوجهٍ أخرى معلولة. انظر: «مسند البزار» (٥/ ١٤٥)، و«علل الدارقطني» (٥/ ٨٩)، و«علل ابن أبي حاتم» (٢/ ١٢٤)، و«جامع العلوم والحكم» (٥٥٩).