مفتاح دار السعادة

وروى هذا الأصلَ عن النبيِّ ﷺ: ابنُ مسعود، ومعاذُ بن جبل، وأبو الدرداء، وجبيرُ بن مُطْعِم، وأنسُ بن مالك، وزيدُ بن ثابت، والنعمانُ بن بشير١.

قال الترمذي: «حديثُ ابن مسعودٍ حديثٌ حسنٌ، وحديثُ زيد بن ثابتٍ حديثٌ حسن»٢.

وأخرج الحاكمُ في «صحيحه» حديثَ جبير بن مطعم والنعمان بن بشير، وقال في حديث جبير: «على شرط البخاري ومسلم»٣.

ولو لم يكن في فضل العلم إلا هذا وحدَه لكفى به شرفًا؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ دعا لمن سمعَ كلامَه، ووعاه، وحَفِظه، وبلَّغه. وهذه هي مراتبُ العلم:

* أوَّلها: سماعُه.

* فإذا سمعه وعاهُ بقلبه٤؛ أي: عَقَلَه واستقرَّ في قلبه، كما يستقرُّ الشيءُ الذي يُوعى في وعائه ولا يخرجُ منه، وكذلك عَقْلُه هو بمنزلة عَقْلِ البعير والدابَّة ونحوها حتى لا تَشْرُدَ وتَذْهَب، ولهذا كان الوعيُ والعقلُ قدرًا زائدًا على مجرَّد إدراك المعلوم.

  1. (١) وغيرُهم، وعَدَّه جماعةٌ من المتواتر. انظر: «قطف الأزهار المتناثرة» (٢)، و«مفتاح الجنة» (٩) كلاهما للسيوطي، و«لقط اللآلاء المتناثرة» للزبيدي (٤٨)، و«نظم المتناثر» للكتاني (٣٣).
  2. (٢) «الجامع» (٥/ ٣٣). إلا أنَّ فيه قوله عن حديث ابن مسعود: «حسن صحيح»، وكذا هو في «تحفة الأشراف» (٧/ ٧٥).
  3. (٣) «المستدرك» (١/ ٨٦ - ٨٨)، ولم يتعقبه الذهبي.
  4. (٤) وهذه المرتبةُ الثانية.
196

* المرتبة الثالثة: تعاهدُه وحفظُه، حتى لا ينساه فيَذْهَب.

* المرتبة الرابعة: تبليغُه وبثُّه في الأمَّة؛ ليحصلَ به ثمرتُه ومقصودُه؛ فما لم يُبَلَّغْ ويُبَثَّ في الأمَّة فهو بمنزلة الكنز المدفون في الأرض الذي لا يُنْفَقُ منه، وهو مُعَرَّضٌ لذهابه، فإنَّ العلمَ ما لم يُنْفَقْ منه ويُعَلَّمْ فإنه يوشكُ أن يذهب، فإذا أُنفِقَ منه نما وزكا على الإنفاق.

فمن قام بهذه المراتب الأربع دخلَ تحت هذه الدعوة النبويَّة المتضمِّنة لجمال الظاهر والباطن، فإنَّ النَّضرةَ هي البهجةُ والحُسْنُ الذي يُكساهُ الوجهُ من آثار الإيمان وابتهاج الباطن به وفرح القلب وسروره والتذاذه به، فتظهرُ هذه البهجةُ والسرورُ والفرحةُ نضارةً على الوجه.

ولهذا يجمعُ سبحانه بين السُّرور والنَّضرة، كما في قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]؛ فالنَّضرةُ في وجوههم، والسرورُ في قلوبهم.

فالنعيمُ وطِيبُ القلب يظهرُ نضارةً في الوجه، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطفِّفين: ٢٤].

والمقصودُ أنَّ هذه النَّضرةَ في وجه من سمع سُنَّة رسول الله ﷺ، ووعاها، وحَفِظها، وبلَّغها، هي أثرُ تلك الحلاوة والبهجة والسرور الذي في قلبه وباطنه.

وقولُه ﷺ: «رُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه» تنبيهٌ على فائدة التبليغ، وأنَّ المبلَّغَ قد يكونُ أفهَمَ من المبلِّغ؛ فيحصُل له في تلك المقالة ما لم يحصُل للمبلِّغ.

197

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي