فجعلَ النبيُّ ﷺ النَّهمةَ في العلم وعدمَ الشِّبع منه من لوازم الإيمان وأوصاف المؤمنين، وأخبرَ أنَّ هذا لا يزالُ دأبَ المؤمن حتى دخوله الجنة.
ولهذا كان أئمَّةُ الإسلام إذا قيل لأحدهم: إلى متى تطلب العلم؟ فيقول: إلى الممات.
قال نعيمُ بن حماد: سمعتُ عبد الله بن المبارك ﵁ يقول، وقد عابه قومٌ في كثرة طلبه للحديث؛ فقالوا له: إلى متى تسمَع؟!، قال: إلى الممات٣.
(١) واختُلِف في أحاديثها، تبعًا للاختلاف في راويها دَرَّاج؛ فمن الحفَّاظ من لم ير بها بأسًا: كابن معينٍ، وابن حبان، والحاكم، ومنهم من ضعَّفها: كأحمد، وأبي داود. انظر: «تاريخ ابن معين» (٤/ ٤١٣ - رواية الدوري)، و«سؤالات الأجري» (٢/ ١٦٦)، و«الكامل» لابن عدي (٣/ ١١٢)، و«جامع الترمذي» (٢٠٣٣، ٢٦١٧، ٣٠٩٣).
(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (١/ ١٠٣). وانظر: «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٤٠٦).
وقال الحسنُ بن منصور الجصَّاص: قلت لأحمد بن حنبل ﵁: إلى متى يكتبُ الرجلُ الحديث؟ قال: إلى الموت١.
وقال عبد الله بن محمد البغوي: سمعت أحمد بن حنبل ﵁ يقول: أنا أطلبُ العلمَ إلى أن أدخل القبر٢.
وقال محمد بن إسماعيل الصَّائغ: كنت أصُوغُ مع أبي ببغداد، فمرَّ بنا أحمدُ بن حنبل وهو يعدو، ونعلاه في يده، فأخَذ أبي بمجامع ثوبه، فقال: يا أبا عبد الله، ألا تستحي؟! إلى متى تعدو مع هؤلاء؟! قال: إلى الموت٣.
وقال عبد الله بن بشر الطَّالْقاني: أرجو أن يأتيني أمرُ ربِّي والمحبرةُ بين يَدَيَّ، ولم يفارقني القلمُ والمحبرة٤.
وقال حميد بن محمد بن يزيد البصري٥: جاء ابنُ بسطام الحافظُ يسألني عن الحديث، فقلت له: ما أشدَّ حرصك على الحديث! فقال: أو ما أحبُّ أن أكون في قطار آل رسول الله ﷺ؟!٦.