الوجه الحادي والستون: ما رواه الترمذي من حديث أبي داود، عن عبد الله بن سَخْبَرة، عن سَخْبَرة، عن النبي ﷺ قال: «من طلب العلمَ كان كفَّارةً لما مضى»١.
هذا الأصلُ لم أجد فيه إلا هذا الحديث، وليس بشيء؛ فإنَّ أبا داود هو نُفَيع الأعمى غيرُ ثقة، ولكن قد تقدَّم أنَّ العالِمَ يستغفرُ له من في السموات ومن في الأرض.
وقد رُوِيَت آثارٌ عديدةٌ عن جماعةٍ من الصحابة في هذا المعنى:
منها: ما رواه الثوري، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن ابن عباس: «أنَّ مَلَكًا موكَّلًا بطالب العلم حتى يردَّه من حيث أبداه مغفورًا له»٢.
ومنها: ما رواه فِطْرُ بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن علي: «ما انتعَل عبد قطُّ ولا تخفَّف ولا لبسَ ثوبًا ليغدو في طلب العلم إلا غُفِرَت ذنوبُه حيث يخطو عند باب بيته»٣.
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٤٨)، والدارمي (٥٦١)، وغيرهما. قال الترمذي: «هذا حديثٌ ضعيفُ الإسناد؛ أبو داود يُضَعَّف، ولا نعرفُ لعبد الله بن سَخْبَرة كبيرَ شيءٍ ولا لأبيه، واسمُ أبي داود نُفَيْع الأعمى، تكلَّم فيه قتادة وغيرُ واحدٍ من أهل العلم». وقال البخاري عن سخبرة: «روى عنه ابنُه عبد الله، حديثُه ليس من وجهٍ صحيح». «التاريخ الكبير» (٤/ ٢١٠)، و«الضعفاء الصغير» (١٥٩).
(٢) أخرجه أبو الحسن النعالي في جزء من حديثه (٤١) مرفوعًا، وفي إسناده: الضحاك بن حجوة، وهو منكر الحديث متهمٌ بالوضع. وعبد الكريم هو ابن أبي المخارق، ضعيفُ الحديث.
(٣) لم أره موقوفًا. وانظر ما يأتي. وقوله: «تخفَّف» أي: لبس خُفَّه.
وقد رواه ابن عدي مرفوعًا١، وقال: «ليس يرويه عن فِطْرٍ غير إسماعيل بن يحيى التيمي».
قلت: وقد رواه إسماعيل بن يحيى هذا عن الثوري: حدثنا محمد بن أيوب الجُوزْجاني، عن مجالد، عن الشعبي، عن الأسود، عن عائشة مرفوعًا: «من انتعَل٢ ليتعلَّم خيرًا غُفِرَ له قبل أن يخطو»٣.
وقد رواه عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن فِطْر، عن أبي الطفيل، عن علي٤.
وهذه الأسانيدُ وإن لم تكن بمفردها حجَّةً فطلبُ العلم من أفضل الحسنات، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السيئات، فجديرٌ أن يكون طلبُ العلم ابتغاء وجه الله يكفِّر ما مضى من السيِّئات، فقد دلَّت النصوصُ أنَّ إتباعَ السيِّئة
(١) في «الكامل» (١/ ٣٠٧)، والطبراني في «الأوسط» (٥٧٢٢)، وتمام في «الفوائد» (٦٦ - الروض)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٨/ ١٨١). قال ابن عدي: «وهذا الحديثُ عن فِطْر بإسناده باطل؛ ليس يرويه ...» العبارة التي نقلها المصنف، وأورده ابن حبان في ترجمة إسماعيل بن يحيى من «المجروحين» (١/ ١٢٦) مستدلًّا به على شدَّة ضعفه وروايته للموضوعات عن الثقات.
(٢) تحرَّف في بعض المصادر إلى: «انتقل» بالقاف، وبه شرحه المناويُّ في «فيض القدير» (٦/ ١١٥)!
(٣) أخرجه ابن شاهين في «الترغيب في فضائل الأعمال» (٢١٩)، وابن النجار في «التاريخ المجدِّد لمدينة السلام» (٥/ ٢١٦)، وغيرهما من حديث إسماعيل عن الثوري عن مجالدٍ به، ليس فيه ذِكْر محمد بن أيوب الجوزجاني.
(٤) أخرجه عفيف الدين في «فضل العلم» (١٢٢/ ٢)، كما في «السلسلة الضعيفة» (٢٦٧٦).