مفتاح دار السعادة

أحبُّها لأنها صفةُ الرحمن ﷿؛ فقال: «حبُّك إيَّاها أدخلك الجنة»١.

وفي لفظٍ آخر: «أخبِروه أنَّ الله يحبُّه»٢؛ فدلَّ على أنَّ من أحبَّ صفات الله أحبَّه الله وأدخله الجنة.

والجهميةُ أشدُّ الناس نفرةً وتنفيرًا عن صفاته ونعوت كماله، يُعاقِبونَ ويذمُّون من يذكرها ويقرؤها ويجمعُها ويعتني بها، ولهذا لهم المَقْتُ والذَّمُّ عند الأمَّة، وعلى لسان كلِّ عالمٍ من علماء الإسلام، والله تعالى أشدُّ بغضًا ومقتًا لهم، جزاءً وفاقًا.

الوجه الرابع والستون: أنَّ أفضلَ منازل الخلق عند الله منزلةُ الرسالة والنبوَّة؛ فاللهُ يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس.

وكيف لا يكونُ أفضلَ الخلق عند الله من جعلَهم وسائطَ بينه وبين عباده في تبليغ رسالاته، وتعريف أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، ومَراضِيه ومَساخِطه، وثوابه وعقابه، وخصَّهم بوحيه، واختصَّهم بتفضيله، وارتضاهم لرسالته إلى عباده، وجعلَهم أزكى العالمين نفوسًا، وأشرفَهم أخلاقًا، وأكملَهم علومًا وأعمالًا، وأحسنَهم٣ خِلْقَة، وأعظمَهم محبَّةً وقبولًا في قلوب الناس، وبرَّأهم من كلِّ وَصْمٍ وكلِّ عيبٍ وكلِّ خُلُقٍ دنيء؟!

  1. (١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٧٧٤) تعليقًا مجزومًا به، ووصله أحمد (٣/ ١٤١، ١٥٠)، والترمذي (٢٩٠١)، وغيرهما من حديث أنس بن مالك.
    وصححه الترمذي، وابن خزيمة (٥٣٧)، وابن حبان (٧٩٢)، والحاكم (١/ ٢٤٠)، وخرَّجه الضياء في «المختارة» (١٧٥٠).
    وانظر: «الفتح» (٢/ ٣٠١)، و«التغليق» (٢/ ٣١٤).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣) من حديث عائشة.
  3. (٣) (ت): «وأكرمهم».
215

وجعَل أشرفَ مراتب الناس بعدهم مرتبةَ خلافتهم ونيابتهم في أممهم؛ فإنهم يخلُفونهم على منهاجهم وطريقتهم: مِنْ نصيحتهم الأمَّة، وإرشادهم الضالَّ، وتعليمهم الجاهل، ونَصْرِهم المظلوم، وأخْذِهم على يد الظَّالم، وأمرِهم بالمعروف وفعلِه، ونَهْيِهم عن المنكر وتركِه، والدَّعوة إلى الله بالحكمة للمستجيبين، والموعظة الحسنة للمعرضين الغافلين، والجدال بالتي هي أحسنُ للمعاندين المعارضين.

فهذه حالُ أتباع المرسلين وورثة النبيِّين؛ قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨].

وسواءٌ كان المعنى: أنا ومن اتبعني على بصيرةٍ وأنا أدعو إلى الله، أو المعنى: أدعو إلى الله على بصيرة١؛ فالقولان٢ متلازمان؛ فإنه لا يكون من أتباعه حقًّا إلا من دعا إلى الله على بصيرة، كما كان متبوعُه ﷺ يفعل٣.

فهؤلاء خلفاءُ الرسل حقًّا، وورثتُهم دون الناس، وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء به: علمًا وعملًا، وهدايةً وإرشادًا، وصبرًا وجهادًا، وهؤلاء هم الصدِّيقون، وهم أفضلُ أتباع الأنبياء، ورأسُهم وإمامُهم الصِّدِّيق الأكبر أبو بكرٍ ﵁.

  1. (١) أي: ومن اتبعني يدعو كذلك.
  2. (٢) (د، ح، ن): «والقولان». وسقطت من (ت، ق) مع ما بعدها إلى كلمة «بصيرة»؛ لانتقال النظر.
  3. (٣) انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٤٨٢)، و«الصواعق المرسلة» (١/ ١٥٥)، و«جلاء الأفهام» (٥٨١)، و«رسالة ابن القيم إلى بعض إخوانه» (٢٥)، وما سيأتي من الكتاب (ص: ٤٣٤).
216

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي