وسواءٌ كان المعنى: أنا ومن اتبعني على بصيرةٍ وأنا أدعو إلى الله، أو المعنى: أدعو إلى الله على بصيرة١؛ فالقولان٢ متلازمان؛ فإنه لا يكون من أتباعه حقًّا إلا من دعا إلى الله على بصيرة، كما كان متبوعُه ﷺ يفعل٣.
فهؤلاء خلفاءُ الرسل حقًّا، وورثتُهم دون الناس، وهم أولو العلم الذين قاموا بما جاء به: علمًا وعملًا، وهدايةً وإرشادًا، وصبرًا وجهادًا، وهؤلاء هم الصدِّيقون، وهم أفضلُ أتباع الأنبياء، ورأسُهم وإمامُهم الصِّدِّيق الأكبر أبو بكرٍ ﵁.
(١) أي: ومن اتبعني يدعو كذلك.
(٢) (د، ح، ن): «والقولان». وسقطت من (ت، ق) مع ما بعدها إلى كلمة «بصيرة»؛ لانتقال النظر.
(٣) انظر: «مدارج السالكين» (٢/ ٤٨٢)، و«الصواعق المرسلة» (١/ ١٥٥)، و«جلاء الأفهام» (٥٨١)، و«رسالة ابن القيم إلى بعض إخوانه» (٢٥)، وما سيأتي من الكتاب (ص: ٤٣٤).
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾[النساء: ٦٩ - ٧٠]، فذكر مراتبَ السُّعداء، وهي أربعة، وبدأ بأعلاهم مرتبة، ثمَّ الذين يلونهم، إلى آخر المراتب. وهؤلاء الأربعةُ هم أهلُ الجنة الذين هم أهلُها، جعلنا الله منهم بمنِّه وكرمه.
الوجه الخامس والستون: أنَّ الإنسانَ إنما يُمَيَّزُ على غيره من الحيوانات بفضيلة العلم والبيان، وإلا فغيرُه من الدَّوابِّ والسِّباع أكثرُ أكلًا منه، وأقوى بطشًا، وأكثرُ جِماعًا وأولادًا، وأطولُ عُمرًا، وإنما مُيِّزَ على الدَّوابِّ والحيوانات بعلمه وبيانه، فإذا عَدِمَ العلمَ بقي معه القدرُ المشتركُ بينه وبين سائر الدَّوابِّ، وهي الحيوانيَّة المحضة، فلا يبقى فيه فضلًا١ عليهم، بل قد يبقى شرًّا منهم.
كما قال تعالى في هذا الصِّنف من الناس: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾[الأنفال: ٢٢]، فهؤلاء هم الجُهَّال، ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾[الأنفال: ٢٣]، أي: ليس عندهم محلٌّ قابلٌ للخير، ولو كان محلُّهم قابلًا للخير ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهَمَهم. فالسمعُ هاهنا سَمْعُ فهم، وإلا فسمعُ الصَّوت حاصلٌ لهم، وبه قامت حجَّةُ الله عليهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾[الأنفال: ٢١].