وسواءٌ كان المعنى: ومثَلُ داعي الذين كفروا كمثَل الذي يَنْعِقُ بما لا يَسمعُ من الدوابِّ إلا أصواتًا مجرَّدة، أو كان المعنى: ومثلُ الذين كفروا حين يُنادَوْنَ كمثل دوابِّ الذي يَنْعِقُ بها فلا تسمعُ١ إلا صوتَ الدعاء والنداء؛ فالقولان متلازمان، بل هما واحد، وإن كان التقديرُ الثاني أقربَ إلى اللفظ وأبلغَ في المعنى٢.
فعلى التقديرين، لم يحصُل لهم من الدعوة إلا الصوتُ الحاصل للأنعام؛ فهؤلاء لم يحصُل لهم حقيقةُ الإنسانيَّة التي يُمَيَّزُ٣ بها صاحبُها عن سائر الحيوان.
فمن الأول: قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾[المجادلة: ١]، وهذا أصرحُ ما يكونُ في إثبات صفة السمع لله؛ ذكَر الماضي والمضارعَ واسمَ الفاعل: ﴿سَمِعَ﴾، و﴿يَسْمَعُ﴾، وهو ﴿سَمِيعٌ﴾، وله السمع؛ كما قالت عائشةُ ﵂: «الحمدُ لله الذي وَسِعَ سمعُه الأصوات، لقد جاءت المُجادِلة تشكو إلى
(١) (ت): «ينعق به ولا يسمع».
(٢) انظر: «إعلام الموقعين» (١/ ١٨٢).
(٣) (ت): «يتميز».
(٤) انظر: «الوجوه والنظائر» لمقاتل (٢٢٦)، وللدامغاني (٢٤٧)، ولابن الجوزي (٣٤٦)، ومادة (سمع) في «المفردات»، و«بصائر ذوي التمييز»، و«عمدة الحفاظ».
رسول الله ﷺ وأنا في جانب البيت، وإنه ليخفى عليَّ بعضُ كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾١.
والثاني: سمعُ الفهم؛ كقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾[الأنفال: ٢٣]، أي: لأفهَمَهم، ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، لِمَا في قلوبهم من الكِبْر والإعراض عن قبول الحقِّ.
ففيهم آفتان: إحداهما: أنهم لا يفهمونَ الحقَّ لِجَهْلهم، ولو فهموه لتولَّوا عنه لكِبْرِهم٢، وهذا غايةُ النقص والعيب.
ومنه قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾[المائدة: ٤١]، أي: قابلون له، مستجيبون لأهله.
ومنه قول المُصَلي: «سمع الله لمن حمده»؛ أي: أجاب اللهُ حمدَ من حَمِدَه، ودعاءَ من دعاه، وقولُ النبي ﷺ: «إذا قال الإمام: سمعَ الله لمن
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (٩/ ١٤٤) تعليقًا مجزومًا به، ووصله أحمد (٦/ ٤٦)، والنسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨). وصححه الحاكم (٢/ ٤٨١)، وابن حجر في «التغليق» (٥/ ٣٣٩).
(٢) فالآفة الأولى: الجهل. والثانية: الكِبْر.
(٣) (ت، ق): «قايلون»، بتسهيل الهمز. وفي الموضع الثاني بتحقيقها. وهو خطأ محض.