مفتاح دار السعادة

العلم ومرتبته؛ فإنَّ الحاكمَ في هذه المسألة هو العلم، فبه١ وإليه وعنده يقعُ التحاكم والتخاصم، والمُفَضَّلُ منهما من حَكَمَ له بالفضل.

فإن قيل: فكيف يُقْبَلُ حكمُه لنفسه؟!

قيل: وهذا أيضًا دليلٌ على تفضيله وعلوِّ مرتبته وشرفه؛ فإنَّ الحاكمَ إنما لم يَسُغْ أن يحكمَ لنفسه لأجل مَظِنَّة التُّهمة، والعلمُ لا تلحقُه تهمةٌ في حكمه لنفسه؛ فإنه إذا حكمَ حكمَ بما تشهدُ العقولُ والفِطر٢ بصحَّته، وتتلقَّاه بالقبول.

ويستحيلُ حكمُه لتهمة؛ فإنه إذا حَكمَ بها انعزل عن مرتبته، وانحطَّ عن درجته، فهو الشاهدُ المُزكَّى المُعَدَّل، والحاكمُ الذي لا يجورُ ولا يُعْزَل.

فإن قيل: فماذا حكمُه في هذه المسألة التي ذكرتموها؟

قيل: هذه المسألةُ كثُر فيها الجدال، واتسع المجال، وأدلى كلٌّ منهما بحجَّته، واستعلى بمرتبته، والذي يفصلُ النزاع، ويعيدُ المسألة إلى مواقع الإجماع: الكلامُ في أنواع مراتب الكمال، وذِكْرُ الأفضل منها، والنظرُ في أيِّ هذين الأمرين أولى به وأقرب إليه؛ فهذه الأصولُ الثلاثةُ تبيِّن الصواب، ويقعُ بها فصلُ الخطاب.

  1. (١) (ق، ت، ن): «فيه»، بالياء آخر الحروف.
  2. (٢) (ت، ق): «والنظر».
221

فأمَّا مراتبُ الكمال فأربع: النبوَّة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية، وقد ذكرها الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].

وذَكَر تعالى هؤلاء الأربع في سورة الحديد؛ فذكر تعالى الإيمانَ به وبرسوله، ثمَّ نَدَبَ المؤمنين إلى أن تخشعَ قلوبُهم لكتابه ووحيه، ثمَّ ذكر مراتبَ الخلائق شقيِّهم وسعيدهم؛ فقال: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١٨ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٨ - ١٩]، وذَكَر المنافقين قبل ذلك؛ فاستوعبت هذه الآيةُ أقسامَ العباد شقيِّهم وسعيدهم، والمقصودُ أنه ذَكَر فيها المراتبَ الأربعة: الرسالة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية.

فأعلى هذه المراتب: النبوَّةُ والرسالة.

ويليها: الصِّدِّيقيَّة؛ فالصِّدِّيقون هم أئمَّة أتباع الرسل، ودرجتُهم أعلى الدرجات بعد النبوَّة١.

فإن جرى قلمُ العالِم بالصدِّيقيَّة وسال مدادُه بها كان أفضلَ من دم الشَّهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصِّدِّيقيَّة، وإن سال دمُ الشَّهيد بالصِّدِّيقيَّة وقَطَرَ عليها كان أفضلَ من مداد العالِم الذي قصَّرَ عنها، فأفضلُهما

  1. (١) انظر: «منهاج السنة» (٧/ ٣٨٥)، و«جواب الاعتراضات المصرية» (٧٩)، و«طريق الهجرتين» (٧٦٤، ٧٦٥، ٧٦٨)، و«زاد المعاد» (٣/ ٢٢١، ٤/ ٢٧٥).
222

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي