مفتاح دار السعادة

فأمَّا مراتبُ الكمال فأربع: النبوَّة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية، وقد ذكرها الله سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ٦٩ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].

وذَكَر تعالى هؤلاء الأربع في سورة الحديد؛ فذكر تعالى الإيمانَ به وبرسوله، ثمَّ نَدَبَ المؤمنين إلى أن تخشعَ قلوبُهم لكتابه ووحيه، ثمَّ ذكر مراتبَ الخلائق شقيِّهم وسعيدهم؛ فقال: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١٨ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٨ - ١٩]، وذَكَر المنافقين قبل ذلك؛ فاستوعبت هذه الآيةُ أقسامَ العباد شقيِّهم وسعيدهم، والمقصودُ أنه ذَكَر فيها المراتبَ الأربعة: الرسالة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية.

فأعلى هذه المراتب: النبوَّةُ والرسالة.

ويليها: الصِّدِّيقيَّة؛ فالصِّدِّيقون هم أئمَّة أتباع الرسل، ودرجتُهم أعلى الدرجات بعد النبوَّة١.

فإن جرى قلمُ العالِم بالصدِّيقيَّة وسال مدادُه بها كان أفضلَ من دم الشَّهيد الذي لم يلحقه في رتبة الصِّدِّيقيَّة، وإن سال دمُ الشَّهيد بالصِّدِّيقيَّة وقَطَرَ عليها كان أفضلَ من مداد العالِم الذي قصَّرَ عنها، فأفضلُهما

  1. (١) انظر: «منهاج السنة» (٧/ ٣٨٥)، و«جواب الاعتراضات المصرية» (٧٩)، و«طريق الهجرتين» (٧٦٤، ٧٦٥، ٧٦٨)، و«زاد المعاد» (٣/ ٢٢١، ٤/ ٢٧٥).
222

صِدِّيقُهما، فإن استويا في الصِّدِّيقيَّة استويا في المرتبة، والله أعلم.

والصِّدِّيقيَّة: هي كمالُ الإيمان بما جاء به الرسول، علمًا وتصديقًا وقيامًا به١؛ فهي راجعةٌ إلى نفس العلم، فكلُّ من كان أعلمَ بما جاء به الرسولُ وأكملَ تصديقًا له كان أتمَّ صدِّيقيَّة؛ فالصِّدِّيقيَّةُ شجرةٌ أصولها العلم، وفروعُها التصديق، وثمرتها العمل.

فهذه كلماتٌ جامعةٌ في مسألة العالم والشهيد، وأيهما أفضل٢.

الوجه السابع والستون: أنَّ النصوصَ النبويَّة قد تواترت بأنَّ أفضلَ الأعمال إيمانٌ بالله٣، فهو رأسُ الأمر، والأعمالُ بعده على مراتبها ومنازلها.

والإيمان له ركنان:

أحدُهما: معرفةُ ما جاء به الرسول، والعلمُ به.

والثاني: تصديقُه بالقول والعمل.

والتصديقُ بدون العلم والمعرفة مُحَال؛ فإنه فرعُ العلم بالشيء

  1. (١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٤١، ٢٢٦، ٤٤٣، ٢/ ١٤٨، ٢٧٠، ٢٧٣، ٣٩٧، ٣/ ٤٢١)، و«الوابل الصيب» (١٦٧)، و«جامع المسائل» (٤/ ٥٣).
  2. (٢) نقل الزبيدي في «الإتحاف» (١/ ١٣٧) هذا المبحث كله دون عزو. وهكذا في مواضع أخرى، كما أشرت إلى ذلك في المقدمة.
  3. (٣) أخرج منها البخاري (٢٦، ٢٥١٨)، ومسلم (٨٣، ٨٤) حديثَي أبي هريرة وأبي ذر. وفي الباب عن جماعةٍ من الصحابة. انظر: «مجمع الزوائد» (١/ ٥٩، ٣/ ٢٠٧، ٨/ ١٥١).
223

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي