مفتاح دار السعادة

صِدِّيقُهما، فإن استويا في الصِّدِّيقيَّة استويا في المرتبة، والله أعلم.

والصِّدِّيقيَّة: هي كمالُ الإيمان بما جاء به الرسول، علمًا وتصديقًا وقيامًا به١؛ فهي راجعةٌ إلى نفس العلم، فكلُّ من كان أعلمَ بما جاء به الرسولُ وأكملَ تصديقًا له كان أتمَّ صدِّيقيَّة؛ فالصِّدِّيقيَّةُ شجرةٌ أصولها العلم، وفروعُها التصديق، وثمرتها العمل.

فهذه كلماتٌ جامعةٌ في مسألة العالم والشهيد، وأيهما أفضل٢.

الوجه السابع والستون: أنَّ النصوصَ النبويَّة قد تواترت بأنَّ أفضلَ الأعمال إيمانٌ بالله٣، فهو رأسُ الأمر، والأعمالُ بعده على مراتبها ومنازلها.

والإيمان له ركنان:

أحدُهما: معرفةُ ما جاء به الرسول، والعلمُ به.

والثاني: تصديقُه بالقول والعمل.

والتصديقُ بدون العلم والمعرفة مُحَال؛ فإنه فرعُ العلم بالشيء

  1. (١) انظر: «مدارج السالكين» (١/ ٤١، ٢٢٦، ٤٤٣، ٢/ ١٤٨، ٢٧٠، ٢٧٣، ٣٩٧، ٣/ ٤٢١)، و«الوابل الصيب» (١٦٧)، و«جامع المسائل» (٤/ ٥٣).
  2. (٢) نقل الزبيدي في «الإتحاف» (١/ ١٣٧) هذا المبحث كله دون عزو. وهكذا في مواضع أخرى، كما أشرت إلى ذلك في المقدمة.
  3. (٣) أخرج منها البخاري (٢٦، ٢٥١٨)، ومسلم (٨٣، ٨٤) حديثَي أبي هريرة وأبي ذر. وفي الباب عن جماعةٍ من الصحابة. انظر: «مجمع الزوائد» (١/ ٥٩، ٣/ ٢٠٧، ٨/ ١٥١).
223

المُصَدَّق به، فإذًا العلمُ من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، ولا تقومُ شجرةُ الإيمان إلا على ساق العلم والمعرفة، فالعلمُ إذًا أجلُّ المطالب وأسنى المواهب.

الوجه الثامن والستون: أنَّ صفات الكمال كلَّها ترجعُ إلى العلم والقدرة والإرادة، والإرادةُ فرعُ العلم؛ فإنها تستلزمُ الشعور بالمراد، فهي مفتقرةٌ إلى العلم في ذاتها وحقيقتها، والقدرةُ لا تؤثِّرُ إلا بواسطة الإرادة، والعلمُ لا يفتقر في تعلُّقه بالمعلوم إلى واحدةٍ منهما، وأما القدرة والإرادةُ فكلٌّ منهما يفتقرُ في تعلُّقه بالمراد والمقدور إلى العلم، وذلك يدلُّ على فضيلته وشرف منزلته.

الوجه التاسع والستون: أنَّ العلمَ أعمُّ الصِّفات تعلُّقًا بمتعلَّقه وأوسعُها؛ فإنه يتعلَّقُ بالواجب والممكن، والمستحيل والجائز، والموجود والمعدوم، فذاتُ الربِّ سبحانه وصفاته وأسماؤه معلومةٌ له، ويعلمُ العبادُ من ذلك ما علَّمهم العليمُ الخبير.

وأما القدرةُ والإرادةُ، فكلٌّ منهما خاصٌّ في التعلُّق١؛ أما القدرةُ فإنما تتعلَّقُ بالممكن خاصَّة، لا بالمستحيل ولا بالواجب، فهي أخصُّ من العلم من هذا الوجه، وأعمُّ من الإرادة، فإنَّ الإرادة لا تتعلَّقُ إلا ببعض الممكنات، وهو ما أريدَ وجودُه.

فالعلمُ أوسعُ وأعمُّ وأشملُ في ذاته ومتعلَّقه.

الوجه السبعون: أنَّ الله سبحانه أخبر عن أهل العلم بأنه جعلَهم أئمَّةً

  1. (١) (ت): «خاص من التعلق». (ح، ن): «خاص التعلق».
224

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي