الإيمانُ أو حُكْمُه في نَفَسٍ من أنفاسه فقد عَطِبَ وقَرُبَ هلاكُه، وليس إلى حصول ذلك سبيلٌ إلا بالعلم؛ فالحاجةُ إليه فوق الحاجة إلى الطَّعام والشراب.
وقد ذكر الإمامُ أحمد هذا المعنى بعينه، فقال: «الناسُ أحوجُ إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ يُحتاجُ إليه في اليوم مرةً أو مرتين، والعلمُ يُحتاجُ إليه في كلِّ وقت»١.
الوجه الثاني والسبعون: أنَّ صاحبَ العلم أقلُّ تعبًا وعملًا، وأكثرُ أجرًا.
وقد أشار النبيُّ ﷺ إلى هذا المعنى حيث قال: «أفضلُ الأعمال إيمانٌ بالله، ثمَّ الجهاد»٢.
فالجهادُ فيه بذلُ النفس وغايةُ المشقَّة، والإيمانُ علمُ القلب وعملُه وتصديقُه، وهو أفضلُ الأعمال، مع أنَّ مشقَّةَ الجهاد فوق مشقَّته بأضعافٍ مضاعفة، وهذا لأنَّ العلمَ يُعَرِّفُ مقاديرَ الأعمال ومراتبها، وفاضلَها من مفضولها، وراجحَها من مرجوحها، فصاحبُه لا يختارُ لنفسه إلا أفضلَ الأعمال، والعاملُ بلا علمٍ يظنُّ أنَّ الفضيلةَ في كثرة المشقة، فهو يتحمَّلُ المشاقَّ وإن كان ما يعانيه مفضولًا، ورُبَّ عملٍ فاضلٍ والمفضولُ أكثرُ مشقةً منه.
(١) انظر ما مضى (ص: ١٦٤).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
واعتبِرْ هذا بحال الصِّدِّيق ﵁؛ فإنه أفضلُ الأمَّة، ومعلومٌ أنَّ فيهم من هو أكثرُ عملًا وحجًّا وصومًا وصلاةً وقراءةً منه، قال أبو بكر بن عياش: «ما سَبقهم أبو بكرٍ بكثرة صومٍ ولا صلاة، ولكن بشيءٍ وَقَرَ في قلبه»١.
وهذا موضعُ المثل المشهور٢:
مَنْ لي بمثل سَيْرِكَ المُدَلَّلِتمشي رُوَيْدًا٣ وتجي في الأول
الوجه الثالث والسبعون: أنَّ العلمَ إمامُ العمل وقائدٌ له، والعملُ تابعٌ له ومؤتمٌّ به، فكلُّ عملٍ لا يكونُ خَلْفَ العلم مقتديًا به فهو غيرُ نافعٍ لصاحبه، بل مضرَّةٌ عليه، كما قال بعضُ السَّلف: «من عبد الله بغير علمٍ كان ما يُفْسِدُ
(١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (ق: ٤١/ب)، و«الصلاة» (٨٠) من قول بكر بن عبد الله المزني بإسنادٍ صحيح. ولم أقف عليه من قول أبي بكر بن عياش. ورفعه بعضهم، ولا أصل له، وذكره المصنفُ فيما وَضَعَتْهُ جهلةُ المنتسبين إلى السُّنَّة في فضائل الصِّدِّيق ﵁. انظر: «المنار المنيف» (٩٢)، و«المغني عن حمل الأسفار» (١/ ٢٣).
(٢) أنشده ابن تيمية، في «مشيخة اليونيني». انظر: «الرد الوافر» (١٥٣)، و«المنهل الصافي» (١/ ٥٢). وهو في «مدارج السالكين» (٣/ ٧، ١٤٤)، و«طريق الهجرتين» (٥٠٤)، و«لطائف المعارف» لابن رجب (٤٣٢، ٤٤٩). وفي مثلٍ مشهورٍ يُضْرَبُ للرجل يدرك حاجته في تؤدة ودعة: * يمشي رويدًا ويكون أوَّلا * انظر: «المعاني الكبير» (١/ ٧٦)، و«مجمع الأمثال» (٢/ ٢٥٣).