مفتاح دار السعادة

واعتبِرْ هذا بحال الصِّدِّيق ﵁؛ فإنه أفضلُ الأمَّة، ومعلومٌ أنَّ فيهم من هو أكثرُ عملًا وحجًّا وصومًا وصلاةً وقراءةً منه، قال أبو بكر بن عياش: «ما سَبقهم أبو بكرٍ بكثرة صومٍ ولا صلاة، ولكن بشيءٍ وَقَرَ في قلبه»١.

وهذا موضعُ المثل المشهور٢:

مَنْ لي بمثل سَيْرِكَ المُدَلَّلِتمشي رُوَيْدًا٣ وتجي في الأول

الوجه الثالث والسبعون: أنَّ العلمَ إمامُ العمل وقائدٌ له، والعملُ تابعٌ له ومؤتمٌّ به، فكلُّ عملٍ لا يكونُ خَلْفَ العلم مقتديًا به فهو غيرُ نافعٍ لصاحبه، بل مضرَّةٌ عليه، كما قال بعضُ السَّلف: «من عبد الله بغير علمٍ كان ما يُفْسِدُ

  1. (١) أخرجه الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (ق: ٤١/ب)، و«الصلاة» (٨٠) من قول بكر بن عبد الله المزني بإسنادٍ صحيح.
    ولم أقف عليه من قول أبي بكر بن عياش.
    ورفعه بعضهم، ولا أصل له، وذكره المصنفُ فيما وَضَعَتْهُ جهلةُ المنتسبين إلى السُّنَّة في فضائل الصِّدِّيق ﵁. انظر: «المنار المنيف» (٩٢)، و«المغني عن حمل الأسفار» (١/ ٢٣).
  2. (٢) أنشده ابن تيمية، في «مشيخة اليونيني». انظر: «الرد الوافر» (١٥٣)، و«المنهل الصافي» (١/ ٥٢). وهو في «مدارج السالكين» (٣/ ٧، ١٤٤)، و«طريق الهجرتين» (٥٠٤)، و«لطائف المعارف» لابن رجب (٤٣٢، ٤٤٩).
    وفي مثلٍ مشهورٍ يُضْرَبُ للرجل يدرك حاجته في تؤدة ودعة:
    * يمشي رويدًا ويكون أوَّلا *
    انظر: «المعاني الكبير» (١/ ٧٦)، و«مجمع الأمثال» (٢/ ٢٥٣).
  3. (٣) (ح، ن): «الهوينا».
227

أكثرَ مما يُصْلِح»١.

والأعمالُ إنما تتفاوتُ في القبول والردِّ بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له، فالعملُ الموافقُ للعلم هو المقبول، والمخالفُ له هو المردود؛ فالعلمُ هو الميزانُ وهو المِحَكُّ.

قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]؛ قال الفضيل بن عياض: «هو أخلصُ العمل وأصوبُه»، قالوا: يا أبا عليٍّ، ما أخلصُه وأصوبُه؟ قال: «إنَّ العملَ إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالصُ أن يكون لله، والصَّوابُ أن يكون على السُّنَّة»٢.

وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].

فهذا هو العملُ المقبولُ الذي لا يقبلُ الله من الأعمال سواه؛ وهو أن يكون موافقًا لسنَّة رسول الله ﷺ، مرادًا به وجهُ الله.

ولا يتمكَّن العاملُ من الإتيان بعملٍ يجمعُ هذين الوصفين إلا بالعلم؛

  1. (١) أخرجه أحمد في «الزهد» (٣٠١)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٤٧٠)، والدارمي (٣٠٥)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٤٣١)، وغيرهم من طرقٍ عن عمر بن عبد العزيز.
    وسيأتي من قول الحسن البصري.
    وروي مرفوعًا في حديثٍ لا يصح، أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٨٣٠ - زوائده)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٣).
  2. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الإخلاص والنية» (٢٢)، - ومن طريقه الثعلبي في «الكشف والبيان» (٩/ ٣٥٦) -، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٩٥).
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي