والأعمالُ إنما تتفاوتُ في القبول والردِّ بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له، فالعملُ الموافقُ للعلم هو المقبول، والمخالفُ له هو المردود؛ فالعلمُ هو الميزانُ وهو المِحَكُّ.
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾[الملك: ٢]؛ قال الفضيل بن عياض: «هو أخلصُ العمل وأصوبُه»، قالوا: يا أبا عليٍّ، ما أخلصُه وأصوبُه؟ قال: «إنَّ العملَ إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقْبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالصُ أن يكون لله، والصَّوابُ أن يكون على السُّنَّة»٢.
وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[الكهف: ١١٠].
فهذا هو العملُ المقبولُ الذي لا يقبلُ الله من الأعمال سواه؛ وهو أن يكون موافقًا لسنَّة رسول الله ﷺ، مرادًا به وجهُ الله.
ولا يتمكَّن العاملُ من الإتيان بعملٍ يجمعُ هذين الوصفين إلا بالعلم؛
(١) أخرجه أحمد في «الزهد» (٣٠١)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٤٧٠)، والدارمي (٣٠٥)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٤٣١)، وغيرهم من طرقٍ عن عمر بن عبد العزيز. وسيأتي من قول الحسن البصري. وروي مرفوعًا في حديثٍ لا يصح، أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (٨٣٠ - زوائده)، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٣٠٣).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «الإخلاص والنية» (٢٢)، - ومن طريقه الثعلبي في «الكشف والبيان» (٩/ ٣٥٦) -، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٩٥).
فإنه إن لم يعلم ما جاء به الرسولُ لم يمكنه قصدُه، وإن لم يعرف معبودَه لم يمكنه إرادتُه وحده، فلولا العلمُ لما كان عملُه مقبولًا؛ فالعلمُ هو الدليلُ على الإخلاص، وهو الدليلُ على المتابعة.
وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾[المائدة: ٢٧]، وأحسنُ ما قيل في تفسير الآية: أنه إنما يتقبلُ عملَ من اتَّقاه في ذلك العمل، وتقواه فيه أن يكون لوجهه، على موافقة أمره١. وهذا إنما يحصلُ بالعلم.
وإذا كان هذا منزلَ العلم٢ وموقعَه عُلِمَ أنه أشرفُ شيءٍ وأجلُّه وأفضلُه، والله أعلم.
الوجه الرابع والسبعون: أنَّ العاملَ بلا علمٍ كالسائر بلا دليل، ومعلومٌ أنَّ عَطَبَ مثل هذا أقربُ من سلامته، وإن قُدِّرَ سلامتُه اتفاقًا نادرًا فهو غير محمود، بل مذمومٌ عند العقلاء.
وكان شيخُ الإسلام ابن تيمية يقول: «من فارق الدليلَ ضلَّ السبيل، ولا دليلَ إلا ما جاء به الرسول»٣.
قال الحسن: «العاملُ على غير علمٍ كالسالك على غير طريق، والعاملُ على غير علمٍ يُفْسِدُ أكثرَ مما يُصْلِح، فاطلبوا العلمَ طلبًا لا تُضِرُّوا بالعبادة،