مفتاح دار السعادة

المعنى: ثَبِّتنا على الهداية وأدِمْها لنا١.

ومن أحاط علمًا بحقيقة الهداية، وحاجة العبد إليها، عَلِمَ أنَّ الذي لم يحصُل له منها أضعافُ ما حصَل له، وأنه كلَّ وقتٍ محتاجٌ إلى هداية متجدِّدة، لا سيَّما والله تعالى خالقُ أفعال القلوب والجوارح، فهو كلَّ وقتٍ محتاجٌ إلى أن يخلقَ الله له هدايةً خاصَّة، ثمَّ إن لم تُصْرَف عنه الموانعُ والصوارفُ التي تمنعُ مُوجَبَ الهداية وتَصْرِفُها لم ينتفع بالهداية، ولم يتمَّ مقصودُها له؛ فإنَّ الحكمَ لا يكفي فيه وجودُ مقتضيه، بل لا بد مع ذلك من عدم مانعه ومُنافيه.

ومعلومٌ أنَّ وساوس العبد وخواطرَه وشهوات الغيِّ في قلبه كلٌّ منها مانعٌ من وصول أثر الهداية إليه، فإن لم يصرفها الله عنه لم يهتد هدًى تامًّا؛ فحاجتُه إلى هداية الله له مقرونةٌ بأنفاسه، وهي أعظمُ حاجةٍ للعبد.

وذكَر النبيُّ ﷺ في هذا الدعاء العظيم القَدْر من أوصاف الله وربوبيَّته ما

  1. (١) ذكر هذا المعنى جماعةٌ من المفسرين وشُرَّاح الحديث. انظر: «تفسير الطبري» (١/ ١٦٦)، و«تفسير القرطبي» (٧/ ٢٧)، و«شرح مسلم» للنووي (٦/ ٥٧)، وغيرها. وقد يصحُّ هذا فيمن حصل له الهدى التامُّ المتضمِّنُ لأمورٍ سبعةٍ ذكرها المصنِّف في «بدائع الفوائد» (٤٤٩).
    وانظر: «الصلاة وحكم تاركها» (٢٠٥)، و«مجموع الفتاوى» (١٠/ ١٠٦)، و«جامع الرسائل» (١/ ٩٨)، و«تفسير ابن كثير» (١/ ١٦٢).
    وغلا بعض الحنفية في ذلك، فأنكر أن يقول العاطسُ لمن شمَّته من المسلمين: «يهديكم الله»، وزعم أن النبي ﷺ إنما قاله لمن كان بحضرته من اليهود! وردَّ عليهم ذلك الطحاويُّ وغيره. انظر: «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٠١)، و«شرح مشكل الآثار» (١٠/ ١٧٤)، و«جامع العلوم والحكم» (٤٢٦).
232

يناسبُ المطلوب:

* فإنَّ فَطْرَ السموات والأرض توسُّلٌ إلى الله بهذا الوصف في الهداية١ للفطرة التي ابتدأ الخلقَ عليها؛ فذَكَر كونَه فاطرَ السموات والأرض.

* والمطلوبُ تعليمُ الحقِّ والتوفيقُ له؛ فذَكَر علمَه سبحانه بالغيب والشهادة، وأنَّ من هو بكلِّ شيءٍ عليمٌ جديرٌ أن يطلبَ منه عبدُه أن يعلِّمه ويرشده ويهديه، وهو بمنزلة التوسُّل إلى الغنيِّ بغِناه وسعة كرمه أن يعطيَ عبدَه شيئًا من ماله، والتوسُّل إلى الغفور بسعة مغفرته أن يغفر لعبده، وبعفوه أن يعفو عنه، وبرحمته أن يرحمَه، ونظائرُ ذلك.

* وذَكَر ربوبيَّته تعالى لجبريل وميكائيل وإسرافيل، وهذا ــ والله أعلم ــ لأنَّ المطلوب هدًى يحيا به القلب، وهؤلاء الثلاثةُ الأملاكُ قد جعلَ الله تعالى على أيديهم أسبابَ حياة العباد:

أمَّا جبريل، فهو صاحبُ الوحي الذي يوحيه الله إلى الأنبياء، وهو سببُ حياة الدنيا والآخرة.

وأمَّا ميكائيل، فهو الموكَّل بالقَطْر الذي به سببُ حياة كلِّ شيء.

وأمَّا إسرافيل، فهو الذي ينفخُ في الصُّور فيحيي الله الموتى بنفخته، فإذا هم قيامٌ لربِّ العالمين٢.

  1. (١) (ق): «للهداية».
  2. (٢) انظر: «زاد المعاد» (١/ ٤٣).
233

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي