مفتاح دار السعادة

فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣].

وأمَّا قولُ أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، فيحتملُ أن يكونوا أرادوا الهدايةَ إلى طريق الجنة، وأن يكونوا أرادوا الهدايةَ في الدنيا التي أوصلتهم إلى دار النعيم. ولو قيل: إنَّ كلا الأمرين مرادٌ لهم، وأنهم حمدوا اللهَ على هدايته لهم في الدنيا، وهدايتهم إلى طريق الجنة؛ كان أحسنَ وأبلغ.

وقد ضربَ الله تعالى لمن لم يحصُل له العلمُ بالحقِّ واتباعه مثَلًا مطابقًا لحاله؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].

الوجه السادس والسبعون: أنَّ فضيلةَ الشيء وشرفه يظهرُ تارةً من عموم منفعته، وتارةً من شدَّة الحاجة إليه وعدم الاستغناء عنه، وتارةً من ظهور النقص والشرِّ بفَقْدِه، وتارةً من حصول اللذَّة والسرور والبهجة بوجوده ــ لكونه محبوبًا ملائمًا، فإدراكُه يُعْقِبُ غايةَ اللذَّة ــ، وتارةً من كمال الثمرة المترتِّبة عليه، وشرف علَّته الغائيَّة١، وإفضائه إلى أجلِّ المطالب.

وهذه الوجوه ونحوها تنشأ وتظهرُ من متعلَّقه؛ فإذا كان في نفسه كمالًا وشرفًا ــ بقطع النظر عن متعلَّقاته ــ جمعَ جهات الشرف والفضل في نفسه ومتعلَّقه.

  1. (١) وهي ما يوجدُ الشيءُ لأجله. «التعريفات» (١٥٥).
236

ومعلومٌ أنَّ هذه الجهات بأسرها حاصلةٌ للعلم؛ فإنه أعمُّ شيءٍ نفعًا، وأكثره وأدومُه، والحاجةُ إليه فوق الحاجة إلى الغذاء، بل فوق الحاجة إلى التنفُّس؛ إذ غايةُ ما يُتَصوَّرُ من فقدهما فقدُ حياة الجسم، وأما فقدُ العلم ففيه فقدُ حياة القلب والروح؛ فلا غَناءَ للعبد عنه طرفةَ عين، ولهذا إذا فُقِدَ من الشخص كان شرًّا من الحمير، بل كان شرَّ الدوابِّ١ عند الله، ولا شيء أنقصُ منه حينئذ.

وأما حصولُ اللذَّة والبهجة بوجوده؛ فلأنه كمالٌ في نفسه، وهو ملائمٌ غايةَ الملاءمة للنفوس؛ فإنَّ الجهلَ مرضٌ ونقص، وهو في غاية الإيذاء والإيلام للنفس، ومن لم يشعر بهذه الملاءمة والمنافرة فهو لفَقْدِ حسِّه وموت نفسه، و«ما لجرحٍ بميِّتٍ إيلامُ»٢.

فحصولُه للنفس إدراكٌ منها لغاية محبوبها، واتصالٌ به، وذلك في غاية لذَّتها وفرحتها، وهذا بحسب المعلوم في نفسه ومحبة النفس له ولذَّتها بقربه، والعلومُ والمعلوماتُ متفاوتةٌ في ذلك أعظمَ التفاوت وأبينَه، فليس علمُ النفوس بفاطرها وباريها ومبدعها ومحبَّته والتقرُّب إليه كعلمها بالطبيعة وأحوالها وعوارضها وصحَّتها وفسادها وحركاتها.

وهذا يتبيَّن بالوجه السابع والسبعين: وهو أنَّ شرفَ العلم تابعٌ لشرف معلومه، ولوثوق النفس بأدلَّة وجوده وبراهينه، ولشدَّة الحاجة إلى معرفته، وعِظَم النفع بها.

  1. (١) (د، ت، ق): «شرا من الدواب».
  2. (٢) عجزُ بيتٍ للمتنبي، في «ديوانه» (١٤٩)، وصدرُه:
    * من يهن يسهل الهوانُ عليه *
237

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي