مفتاح دار السعادة

بينهما إلا بالعلم، ولا بُعِثَت الرسلُ وأُنزِلت الكتبُ إلا بالعلم، ولا عبد اللهُ وَوُحِّدَ١ وحُمِدَ وأُثنِيَ عليه ومُجِّدَ إلا بالعلم، ولا عُرِفَ الحلالُ من الحرام إلا بالعلم، ولا عُرِفَ فضلُ الإسلام على غيره إلا بالعلم.

واختُلِفَ هنا في مسألة؛ وهي أنَّ العلمَ صفةٌ فعليةٌ أو انفعالية؟٢

فقالت طائفة: هو صفةٌ فعلية؛ لأنه شرطٌ أو جزءُ سببٍ في وجود المفعول؛ فإنَّ الفعلَ الاختياريَّ يستدعي حياةَ الفاعل وعلمه وقدرته وإرادته، ولا يُتَصَوَّرُ وجودُه بدون هذه الصِّفات.

وقالت طائفة: هو انفعالي؛ فإنه تابعٌ للمعلوم، متعلِّقٌ به على ما هو عليه؛ فإنَّ العالِمَ يدركُ المعلومَ على ما هو به، فإدراكُه تابعٌ له، فكيف يكونُ٣ متقدِّمًا عليه؟!

والصوابُ أنَّ العلمَ قسمان:

* علمٌ فعليٌّ، وهو علمُ الفاعل المختار بما يريدُ أن يفعلَه، فإنه موقوفٌ على إرادته الموقوفة على تصوُّره المرادَ وعلمه به. فهذا علمٌ قبل الفعل، متقدِّمٌ عليه، مؤثِّرٌ فيه.

* وعلمٌ انفعاليٌّ، وهو العلمُ التابعُ للمعلوم، الذي لا تأثيرَ له فيه؛ كعلمنا بوجود الأنبياء والأمم والملوك وسائر الموجودات؛ فإنَّ هذا العلمَ لا

  1. (١) (ت، د، ق): «عبد الله وحده».
  2. (٢) انظر: «بيان تلبيس الجهمية» (١/ ١٨٣)، و«الهوامل والشوامل» (١٣٧)، و«الكليات» (٦١٦).
  3. (٣) (د، ت، ق): «فيكون».
241

يؤثِّرُ في المعلوم، ولا هو شرطٌ فيه.

فكلٌّ من الطائفتين نظرَت جزئيًّا وحكمَت كليًّا، وهذا موضعٌ يغلطُ فيه كثيرٌ من الناس، وكلا القسمين من العلم صفةُ كمال، وعدمُه من أعظم النقص.

يوضحُه:

الوجه الحادي والثمانون: أنَّ فضيلةَ الشيء تُعْرَفُ بضدِّه.

* فالضِّدُّ يُظْهِرُ حُسْنَه الضِّدُّ *١

* وبضدِّها تتبيَّنُ الأشياءُ *٢

ولا ريب أنَّ الجهلَ أصلُ كلِّ فساد، وكلُّ ضررٍ يلحقُ العبدَ في دنياه وأخراه فهو نتيجةُ الجهل، وإلا فمع العلم التامِّ بأنَّ هذا الطعام ــ مثلًا ــ مسمومٌ مَنْ أكلَه قطَّعَ أمعاءه في وقتٍ معيَّن، لا يُقْدِمُ على أكله، وإن قُدِّرَ أنه أقدمَ عليه لغلبة جوعٍ أو استعجال وفاةٍ فهو لعلمه بموافقة أكله لمقصوده

  1. (١) عجزُ بيتٍ، صدرُه:
    * ضِدَّان لما استجمعا حَسُنَا *
    من القصيدة الفائقة المشهورة بـ «اليتيمة». وفي نسبتها تنازعٌ وخلافٌ كثير، وغَلَبَ عليها شاعران: أبو الشِّيص الخزاعي، وهي في ديوانه (١٣٦)، وعلي بن جبلة العكوَّك، وهي في شِعره المجموع (١١٦). ونُشِرَت مفردة.
    وانظر: «فهرسة ابن خير» (٤٠١)، و«بحوث وتحقيقات» للميمني (١/ ٤٥٥)، و«القصيدة اليتيمة» للمنجد.
  2. (٢) عجزُ بيتٍ للمتنبي في ديوانه (١١٧). وصدرُه:
    * ونَذِيمهم وبهم عرفنا فضله *
242

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي