وهنا اختُلِفَ في مسألةٍ عظيمة؛ وهي أنَّ العلمَ هل يستلزمُ الاهتداء، ولا يتخلَّف عنه الهدى إلا لعدم العلم أو نقصه، وإلا فمع المعرفة الجازمة لا يُتَصَوَّر الضلال؟ أو أنه لا يستلزمُ الهدى، فقد يكونُ الرجلُ عالمًا وهو ضالٌّ على عَمْد؟
هذا مما اختلف فيه المتكلِّمون وأربابُ السلوك وغيرهم.
* فقالت فرقة: من عرفَ الحقَّ معرفةً لا يشُكُّ فيها استحالَ أن لا يهتدي، وحيث ضلَّ فلنقصان علمه.
وقولُه تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ قال سعيد بن جبير: «على عِلْمِه تعالى فيه»٢. قال الزجاج٣: «أي: على ما سبقَ في علمه تعالى أنه ضالٌّ قبل أن يخلقه». ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ﴾ أي: طبعَ عليه فلم يسمع الهدى، وعلى قلبه فلم يعقل الهدى، و﴿عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ فهو لا يبصرُ أسبابَ الهدى.
وهذا في القرآن كثير، مما يبيَّنُ فيه منافاةُ الضلال للعلم، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾[محمد: ١٦]، فلو كانوا علموا ما قال الرسولُ ﷺ لم يسألوا أهلَ العلم ماذا قال، ولما كان مطبوعًا
(١) (ح، ن): «قد فسدت عليهم».
(٢) أخرج اللالكائي في «السنة» (١٠٠٣)، وابن بطة في «الإبانة» (١٦٢٢ - القدر)، والطبري في «التفسير» (٢٢/ ٧٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٣٠٩) نحوه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.