وقال بعضُ السَّلف: «إنَّ الفقيهَ من لم يُقْنِط الناسَ من رحمة الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، ولم يَدَع القرآن رغبةً عنه إلى ما سواه»١.
وقال ابن مسعود ﵁: «كفى بخشية الله علمًا، وبالاغترار بالله جهلًا»٢.
قالوا: فهذا القرآنُ والسنَّة وإطلاقُ السلف من الصحابة والتابعين يدلُّ على أنَّ العلمَ والمعرفةَ مستلزمٌ للهداية، وأنَّ عدمَ الهداية دليلٌ على الجهل وعدم العلم.
قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ الإنسانَ ما دام عقلُه معه لا يُؤْثِرُ هلاكَ نفسه على نجاتها، وعذابها العظيمَ الدائمَ على نعيمها المقيم، والحسُّ شاهدٌ بذلك.
ولهذا وصف اللهُ سبحانه أهل معصيته بالجهل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾[النساء: ١٧].
(١) أخرجه الدارمي (٢٩٧) عن علي ﵁ موقوفًا بإسنادٍ ضعيف. وأخرجه ابن عبد البر في «الجامع» (٢/ ٨١١) عنه مرفوعًا بإسنادٍ ضعيف، ثم قال: «لا يأتي هذا الحديث مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وأكثرهم يوقفونه على علي ﵁». وانظر: «السلسلة الضعيفة» (٧٣٤). وللحديث طريقان آخران عند أبي نعيم في «الحلية» (١/ ٧٧)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» (٢/ ٣٣٨)، وغيرهما.
(٢) تقدم تخريجه (ص: ١٣٨).
قال سفيانُ الثوري: «كلُّ من عمل ذنبًا من خلق الله فهو جاهل، سواءٌ كان جاهلًا أو عالمًا؛ إن كان عالمًا فمَنْ أجهلُ منه؟! وإن كان لا يعلم فمثلُ ذلك»١.
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قال: قبل الموت٢.
وقال ابن عباس ﵄: «ذنبُ المؤمن جهلٌ منه»٣.
قال قتادة: «أجمع أصحابُ رسول الله ﷺ أنَّ كلَّ شيءٍ عُصِيَ اللهُ به فهو جهالةٌ»٤.
وقال السُّدِّي: «كلُّ من عصى اللهَ فهو جاهل»٥.
قالوا: ويدلُّ على صحة هذا أنَّ مع كمال العلم لا تصدرُ المعصيةُ من العبد؛ فإنه لو رأى صبيًّا يتطلَّعُ عليه من كُوَّةٍ لم تتحرَّك جوارحُه لمواقعة الفاحشة، فكيف تقعُ منه حالَ كمال علمه بنظر الله إليه، ورؤيته له، وعقابه على الذنب، وتحريمه له، وسوء عاقبته؟! فلا بد من غفلة القلب عن هذا العلم، وغيبته عنه، فحينئذٍ يكونُ وقوعُه في المعصية صادرًا عن جهلٍ وغفلةٍ ونسيانٍ مضادٍّ للعلم.
(١) ورد مختصرًا عن مجاهد، وعطاء، وابن زيد. انظر: تفسير القرآن من «الجامع» لابن وهب (١/ ١٨)، و«تفسير الطبري» (٨/ ٨٩، ٩٠).
(٢) كذا ورد القول في الأصل دون نسبة. وهو قول جمهور المفسرين. انظر: «الدر المنثور» (٢/ ٤٥٩)، و«مدارج السالكين» (١/ ٢٨٤)، و«شفاء العليل» (٤٩١).
(٣) أخرجه بنحوه الطبري (٨/ ٩٠).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٥١)، ومن طريقه الطبري (٨/ ٨٩).