فهل بعد نزول الملائكة عيانًا، وتكليم الموتى لهم، وشهادتهم للرسول بالصِّدق، وحَشْرِ كلِّ شيءٍ في الدنيا عليهم= مِنْ بيانٍ وإيضاحٍ للحقِّ وهدى؟! ومع هذا فلا يؤمنون، ولا ينقادون للحقِّ، ولا يصدِّقون الرسول!
ومن نظر في سيرة رسول الله ﷺ مع قومه، ومع اليهود، عَلِمَ أنهم كانوا جازمين بصدقه ﷺ، لا يشكُّون أنه صادقٌ في قوله: إنه رسولُ الله، ولكنْ اختاروا الضلال والكفرَ على الإيمان.
قال المِسْوَرُ بن مَخْرمة ﵁ لأبي جهل ــ وكان خالَه ــ: أيْ خال، هل كنتم تتَّهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالتَه التي قالها؟ قال: يا ابن أخي، والله لقد كان محمدٌ فينا وهو شابٌّ يُدعى: الأمين، ما جرَّبنا عليه كذبًا قطُّ، فلمَّا وخَطَه الشيبُ لم يكن ليكذبَ على الله. قال: يا خال فلم لا تتَّبعونه؟! قال: يا ابن أخي، تنازعنا نحن وبنو هاشمٍ الشَّرف؛ فأطعموا وأطعمنا، وسَقوا وسَقَينا، وأجاروا وأجَرنا، فلمَّا تجاثَيْنا على الرُّكَب وكنَّا كفرَسَيْ رهانٍ قالوا: منَّا نبيٌّ. فمتى ندركُ هذه؟!١.
وهذا أميةُ بن أبي الصَّلت كان ينتظره يومًا بيوم، وعلمُه عنده قبل مبعثه
(١) لم أقف على الخبر من رواية المِسْوَر، ولا أراه يصحُّ عنه؛ فإن أبا جهل قُتِل يوم بدر، والمِسْوَر وُلِد بعد الهجرة بسنتين، وقيل قبلها، فكيف يسأله؟! وأصلُ الخبر مشهور، أخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (١٩١)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٤/ ٩١)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ٢٠٧) عن المغيرة بن شعبة ﵁ بإسنادٍ منقطع. ورُوِي من أوجهٍ أخرى.
وقصَّتُه مع أبي سفيان لما سافروا معًا معروفة، وإخباره برسول الله ﷺ، ثمَّ لما تيقَّنه وعرفَ صدقَه قال: «لا أومنُ بنبيٍّ من غير ثقيفٍ أبدًا»١.
وهذا هرقلُ تيقَّن أنه رسولُ الله ﷺ، ولم يشكَّ فيه، وآثر الضلالَ والكفرَ استبقاءً لمُلكه٢.
ولمَّا سأله اليهودُ عن التسع آياتٍ البيِّنات؛ فأخبرهم بها، قبَّلوا يدَه، وقالوا: نشهدُ أنك نبيٌّ. قال: فما يمنعكم أن تتَّبعوني؟ قالوا: إنَّ داود ﵇ دعا أن لا يزال في ذريَّته نبيٌّ، وإنَّا نخشى إن اتبعناك أن تقتلَنا يهود٣.
فهؤلاء قد تحقَّقوا نبوَّته، وشهدوا له بها، ومع هذا فآثروا الكفرَ
(١) أخرجها في سياقٍ طويلٍ الطبرانيُّ في «الكبير» (٨/ ٥)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٢/ ١١٦)، وأبو القاسم التيمي في «دلائل النبوة» (٢٢٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٩/ ٢٥٧) من طرق.
(٢) وخبره مشهور، أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٧٣٣، ٣١٤٤)، والنسائي (٤٠٧٨)، وابن ماجه (٣٧٠٥)، وغيرهم من حديث صفوان بن عسَّال. وفي إسناده ضعف، وفي متنه نكارة. وقال النسائي في «الكبرى» (٣٥٢٧): «هذا حديثٌ منكر». وانظر: «تهذيب سنن أبي داود» للمصنف (١٤/ ٨٦)، و«تفسير ابن كثير» (٥/ ٢١٣٥)، و«البداية والنهاية» (٩/ ٩٦). وصححه جماعة، قال الترمذي: «هذا حديثٌ حسن صحيح». وقال الحاكم في «المستدرك» (١/ ٩): «هذا حديثٌ صحيحٌ لا نعرف له علةً بوجهٍ من الوجوه، ولم يخرجاه»، ولم يتعقبه الذهبي. وخرَّجه الضياء في «المختارة» (٨/ ٢٨). وقال ابن حجر في «التلخيص» (٤/ ٩٣): «إسناده قوي».