مفتاح دار السعادة

وبيانُ هذا: أنَّ المقتضي قسمان:

* مقتضٍ لا يتخلَّفُ عنه مُوجَبُه ومقتضاه١، بل يستلزمُه استلزامَ العلَّة التامَّة لمعلولها.

* ومقتضٍ غيرُ تامٍّ، بل قد يتخلَّفُ٢ عنه مقتضاه؛ لقصوره في نفسه عن التمام٣، أو لفوات شرط اقتضائه، أو قيام مانعٍ منعَ تأثيرَه.

فإن أريدَ بكون العلم مقتضيًا للاهتداء الاقتضاءُ التامُّ٤ الذي لا يتخلَّف عنه أثرُه بل يلزمُه الاهتداءُ بالفعل؛ فالصوابُ قولُ الطائفة الثانية، وأنه لا يلزمُ من العلم حصولُ الاهتداء المطلوب.

وإن أريدَ بكونه مُوجِبًا أنه صالحٌ للاهتداء، مقتضٍ له، وقد يتخلَّفُ عنه مقتضاه لقصوره، أو لفوات شرطٍ، أو قيام مانع؛ فالصوابُ قولُ الطائفة الأولى.

وتفصيلُ هذه الجملة: أنَّ العلمَ بكون الشيء سببًا لمصلحة العبد ولذَّته وسروره قد يتخلَّفُ عنه عملُه بمقتضاه، لأسبابٍ عديدة٥:

السببُ الأول: ضعفُ معرفته بذلك.

السببُ الثاني: عدمُ الأهليَّة. وقد تكونُ معرفتُه به تامة، لكن يكونُ

  1. (١) (ق، ن): «موجبه ومقتضاه لقصوره في نفسه».
  2. (٢) «بل قد» ليست في (د، ت، ق». (ق): «لا يتخلف». (ت): «لا يختلف».
  3. (٣) (ت): «القيام».
  4. (٤) (ت، ق): «والاقتضاء التام». وهو خطأ، اشتبهت الهمزة بالواو.
  5. (٥) انظر: «هداية الحيارى» (٣٩، ٢٦٩).
264

مشروطًا بزَكاء١ المحلِّ وقبوله للتزكية، فإذا كان المحلُّ غير زكيٍّ ولا قابلٍ للتزكية كان كالأرض الصَّلْدَة التي يخالطُها الماء، فإنه يمتنعُ النباتُ منها؛ لعدم أهليتها وقبولها.

فإذا كان القلبُ قاسيًا حَجَريًّا، لا يقبلُ تزكيةً ولا تُؤثِّرُ فيه النصائح، لم ينتفع بكلِّ علمٍ يعلمُه، كما لا تنبتُ الأرضُ الصلبة ولو أصابها كلُّ مطر، وبُذِرَ فيها كلُّ بَذْر.

كما قال تعالى في هذا الصنف من الناس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ٩٦ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]. وهذا في القرآن كثير.

فإذا كان القلبُ قاسيًا غليظًا جافيًا لا يعملُ فيه العلمُ شيئًا، وكذلك إذا كان مريضًا مَهِينًا مائيًّا لا صلابةَ فيه ولا قوةَ ولا عزيمة لم يؤثِّر فيه العلم.

السببُ الثالث: قيامُ مانع؛ وهو إمَّا حسدٌ أو كِبْر، وذلك مانعُ إبليس من الانقياد للأمر، وهو داءُ الأولين والآخرين إلا من عصم الله، وبه تخلَّف الإيمانُ عن اليهود الذين شاهدوا رسول الله ﷺ وعرفوا صحةَ نبوَّته ومن جرى مجراهم، وهو الذي منع عبد الله بن أبيٍّ من الإيمان، وبه تخلَّفَ الإيمانُ عن أبي جهلٍ وسائر المشركين؛ فإنهم لم يكونوا يرتابون في صدقه

  1. (١) (ق): «بزكاة».
265

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي