مفتاح دار السعادة

ولا شيء أعظمُ فسادًا لمحلِّ العلم من صَيْرورته بحيث يَضِلُّ بما يُهتدى به، فنسبتُه إلى الهدى والعلم نسبةُ الفَمِ الذي قد استحكَمت فيه المرارةُ إلى الماء العَذْب؛ كما قيل:

ومن يكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مريضٍيَجِدْ مُرًّا به الماءَ الزُّلالا١

فإذا فسد القلبُ فسد إدراكُه، وإذا فسد الفمُ فسد إدراكُه، وكذلك إذا فسدت العَيْن.

وأهلُ المعرفة من الصَّيارفة يقولون: «إنَّ من خانَ في نَقْده نَسِيَ النَّقْدَ وسُلِبَه، فاشتبه عليه الخالصُ بالزَّغَل»٢.

ومن كلام بعض السَّلف: «العلمُ يَهْتِفُ بالعمل، فإن أجابه حَلَّ وإلا ارتحل»٣.

وقال بعضُ السلف: «كنَّا نستعينُ على حفظ العلم بالعمل به»٤.

فتركُ العمل بالعلم من أقوى الأسباب في ذهابه ونسيانه.

وأيضًا؛ فإنَّ العلمَ يرادُ للعمل؛ فإنه بمنزلة الدليل للسَّائر، فإذا لم يَسِرْ

  1. (١) البيت للمتنبي في ديوانه (١٣٠).
  2. (٢) انظر: «روضة المحبين» (٥٣١).
  3. (٣) أخرجه الخطيب في «اقتضاء العلم العمل» (٤٠، ٤١) عن علي ﵁، ومحمد بن المنكدر.
  4. (٤) أخرجه أبو زرعة الدمشقي في «التاريخ» (١/ ٣١١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٤/ ٤٢١، ٤٥٩)، والخطيب في «الجامع» (٢/ ٣٨٨)، و«اقتضاء العلم العمل» (١٤٩)، وغيرهم عن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع الأنصاري.
275

خلفَ الدليل لم ينتفع بدلالته، فنزِّل منزلةَ من لم يعلم شيئًا؛ لأنَّ من علمَ ولم يعمل بمنزلة الجاهل الذي لا يعلم، كما أنَّ من ملك ذهبًا وفضَّةً وجاعَ وعَرِيَ ولم يَشْتَرِ منها ما يأكلُ ويلبسُ فهو بمنزلة الفقير العادِم؛ كما قيل:

ومن تركَ الإنفاقَ عند احتياجِهمخافةَ فَقْرٍ فالذي فَعَلَ الفقرُ١

والعربُ تسمِّي الفُحْشَ والبَذاءَ: جَهْلًا؛ إما لكونه ثمرة الجهل فيسمَّى باسم سببه ومُوجِبه، وإما لأنَّ الجهلَ يقال في جانب العلم والعمل؛ قال الشاعر٢:

ألا لا يَجْهَلَنْ أحدٌ علينافَنَجْهَلَ فوق جهلِ الجاهلينا

ومن هذا قولُ موسى لقومه وقد قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]؛ فجعلَ الاستهزاءَ بالمؤمنين جهلًا.

ومنه قولُه تعالى حكايةً عن يوسف أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].

ومن هذا قولُه تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، ليس المرادُ به إعراضَه عمَّن لا علم عنده فلا يعلِّمه ولا يرشدُه، وإنما المرادُ إعراضُه عن جهل من جَهِلَ عليه منهم فلا يقابلُه ولا يعاتبُه.

  1. (١) لم أجده. وهو محوَّرٌ عن بيت المتنبي المشهور:
    ومن يُنْفِقُ الساعاتِ في جمع ماله ... مخافةَ فقرٍ، فالذي فعل الفقرُ
  2. (٢) عمرو بن كلثوم، في «ديوانه» (٣٣٠)، من معلَّقته. وهذا البيتُ آخِرُها في رواية أكثر الناس. انظر: «شرح القصائد السبع الطوال» لابن الأنباري (٤٢٦).
276

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي