مفتاح دار السعادة

فالأقسام أربعة:

* ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهذا لا يذكره سبحانه إلا في معرض المدح.

* و﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ لا يكونُ قطُّ إلا في معرض الذَّمِّ.

* و﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أعمُّ منه، فإنه قد يتناولُهما، ولكن لا يُفْرَدُ به الممدوحون قطُّ١.

* و﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾ يَعُمُّ الجنسَ كلَّه، ويتناولُ الممدوحَ منه والمذموم، كقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]، وقال في الذَّمِّ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١].

وهذا الفصلُ يُنْتَفَعُ به جدًّا في أكثر٢ مسائل أصول الإسلام، وهي مسألةُ الإيمان واختلاف أهل القبلة فيه، وقد ذكرنا فيه نُكَتًا حِسَانًا يتضحُ بها الحقُّ في المسألة، والله أعلم.

الوجه الثاني والثمانون: أنَّ الله ﷾ فاوتَ بين النوع الإنسانيِّ أعظمَ تفاوتٍ يكونُ بين المخلوقين، فلا يُعْرَفُ اثنان من نوعٍ واحدٍ بينهما من التفاوت ما بين خير البشر وشرِّهم.

  1. (١) (ح، ن): «فقط». وهي قط، والفاء زائدة.
  2. (٢) كذا في الأصول. ولعل الصواب: «أكبر».
285

والله سبحانه خَلَق الملائكةَ عقولًا بلا شهوات، وخَلَق الحيوانات ذوات شهواتٍ بلا عقول، وخَلَق الإنسانَ مركَّبًا من عقلٍ وشهوة؛ فمن غَلَب عقلُه شهوتَه كان خيرًا من الملائكة، ومن غَلَبَت شهوتُه عقلَه كان شرًّا من الحيوانات١.

وفاوتَ سبحانه بينهم في العلم؛ فجعلَ عالِمَهم معلِّمَ الملائكة، كما قال تعالى: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣]، وتلك مرتبةٌ لا مرتبةَ فوقها، وجعلَ جاهلَهم بحيثُ لا يرضى الشيطانُ به ولا يَصْلُح له، كما قال الشيطانُ لجاهلهم الذي أطاعه في الكفر: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ [الحشر: ١٦]، وقال لجَهَلَتِهم الذين عصوا رسولَه: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨].

فلِلَّه ما أشدَّ هذا التفاوت بين شخصين، أحدهما: تسجدُ له الملائكةُ ويعلِّمها مما علَّمه الله، والآخر: لا يرضى الشيطانُ به وليًّا!

وهذا التفاوتُ العظيمُ إنما حصلَ بالعلم وثمرته، ولو لم يكن في العلم إلا القُربُ من ربِّ العالمين، والالتحاقُ بعالَم الملائكة، وصحبةُ الملأ الأعلى؛ لكفى به فضلًا وشرفًا، فكيف وعزُّ الدُّنيا والآخرة منوطٌ به ومشروطٌ بحصوله؟!

الوجه الثالث والثمانون: أنَّ أشرفَ ما في الإنسان محلُّ العلم منه، وهو قلبُه وسمعُه وبصرُه.

  1. (١) انظر: «التمثيل والمحاضرة» (١٧٢)، و«أدب الدنيا والدين» (٢٨)، و«سراج الملوك» (٢٧٥)، و«البدء والتاريخ» (١/ ١٨٠)، و«مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٥١، ١٥/ ٤٢٨)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٣٥٢)، و«عدة الصابرين» (٣٧).
286

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي