مفتاح دار السعادة

واختلفَ الناسُ في الأفضل منهما١:

* فقالت طائفة، منهم أبو المعالي٢ وغيرُه: السمعُ أفضل.

قالوا: لأنَّ به تنالُ سعادةُ الدنيا والآخرة، فإنها إنما تحصلُ بمتابعة الرسل، وقبول رسالاتهم، وبالسمع عُرِفَ ذلك؛ فإنَّ من لا سَمْعَ له لا يعلمُ ما جاءوا به.

وأيضًا؛ فإنَّ السمعَ يُدْرَكُ به أجلُّ شيءٍ وأفضلُه، وهو كلامُ الله تعالى الذي فضلُه على الكلام كفضل الله على خلقه.

وأيضًا؛ فإنَّ العلومَ إنما تنالُ بالتفاهم والتخاطب، ولا يحصلُ ذلك إلا بالسمع.

وأيضًا؛ فإنَّ مُدْرَكه أعمُّ من مُدْرَكِ البصر؛ فإنَّه يدركُ الكلِّيَّات والجزئيَّات والشاهدَ والغائب والموجودَ والمعدوم، والبصرُ لا يدركُ إلا بعض المشاهَدات، والسمعُ يسمعُ كلَّ علم؛ فأين أحدُهما من الآخر؟!

  1. (١) انظر: «الصواعق المرسلة» (٨٧٣)، و«مدارج السالكين» (٢/ ٤٠٩)، و«الصناعتين» لأبي هلال (٤٢٣)، و«تفسير الرازي» (١/ ٥٣، ١٧/ ١٠١)، و«تفسير القرطبي» (١/ ١٨٩)، و«اللباب» لابن عادل (١/ ٣٢٦)، و«روح المعاني» (١/ ١٣٨)، و«الحاوي» (١٢/ ٢٤٤)، و«حاشية البجيرمي على الخطيب» (٤/ ٥٣٧)، و«الذخيرة» للقرافي (٣/ ٣٧٨)، و«حاشية قرة عيون الأخبار» تكملة «رد المحتار» (٧/ ١٢٨)، و«نكت الهميان» (١٧)، و«تسلية الأعمى عن بلية العمى» للقاري (٥٧)، والمصادر الآتية في التعليقات.
    ولكمال الدين البكري (ت: ١١٩٦): «تشنيف السمع في تفضيل البصر على السمع» كما في ترجمته من «سلك الدرر» (٤/ ١٩).
  2. (٢) الجويني. انظر: «البرهان» (١/ ١٣٤).
288

ولو فرضنا شخصين: أحدهما يسمعُ كلام الرسول ولا يرى شخصَه، والآخر بصيرٌ يراه ولا يسمعُ كلامَه لصممه، هل كانا سواءً؟!

وأيضًا؛ ففاقدُ البصر إنما يفقدُ إدراكَ بعض الأمور الجزئية المشاهَدة، ويمكنُه معرفتُها بالصِّفة ولو تقريبًا، وأمَّا فاقدُ السمع فالذي فاته من العلم لا يمكنُ حصولُه بحاسَّة البصر ولا قريبًا.

وأيضًا؛ فإنَّ ذمَّ الله تعالى للكفار بعدم السمع في القرآن أكثرُ من ذمِّه لهم بعدم البصر، بل إنما يذمُّهم بعدم البصر تبعًا لعدم العقل والسمع.

وأيضًا؛ فإنَّ الذي يُورِدُه السمعُ على القلب من العلوم لا يلحقُه فيه كلالٌ ولا سآمةٌ ولا تعبٌ مع كثرته١ وعِظَمِه، والذي يُورِدُه البصرُ عليه يلحقُه فيه الكَلالُ والضعفُ والنقص، وربَّما خشي صاحبُه على ذهابه مع قلَّته ونزارته بالنسبة إلى السمع.

* وقالت طائفة، منهم ابن قتيبة: بل البصرُ أفضل٢؛ فإنَّ أعلى النعيم وأفضلَه وأعظمَه لذَّةً هو النظرُ إلى الله في الدار الآخرة، وهذا إنما ينالُ بالبصر، وهذه وحدها كافيةٌ في تفضيله.

قالوا: وهو مقدِّمةُ القلب وطليعتُه ورائدُه، فمنزلتُه منه أقربُ من منزلة السمع؛ ولهذا كثيرًا ما يُقْرَنُ بينهما في الذِّكر؛ كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي

  1. (١) (ح): «من كثرته».
  2. (٢) كذا ذكر المصنفُ قول ابن قتيبة، ونقله في «بدائع الفوائد» (١٢٤) عن الجويني عنه. وهو وهم. والذي في «تأويل مشكل القرآن» (٧) ــ ونقله الجوينيُّ وابن تيمية وغيرهما ــ هو القولُ بتفضيل السمع. ووقعت حكايته على الصواب في «بدائع الفوائد» (١١٠٦).
289

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي