فهذه ألصقُ به من الأولى، ولكن هي في الحقيقة خارجةٌ عن ذاته وحقيقته؛ فإنَّ الإنسانَ إنسانٌ بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه، كما قيل:
يا خادمَ الجسم كم تشقى بخدمتهفأنت بالرُّوح لا بالجِسْم إنسانُ٣
فنسبةُ هذه إلى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه إلى بدنه؛ فإنَّ البدنَ أيضًا عاريةٌ للرُّوح وآلةٌ لها ومركبٌ من مراكبها، فسعادتُها بصحَّته، وجمالُه وحُسْنُه سعادةٌ خارجةٌ عن ذاتها وحقيقتها.
* السعادة الثالثة: هي السعادةُ الحقيقية، وهي سعادةٌ نفسانيةٌ روحيةٌ قلبية، وهي سعادةُ العلم النافع وثمرتُه؛ فإنها هي الباقيةُ على تقلُّب الأحوال،
(٣) البيت لأبي الفتح البستي في «ديوانه» (٣١١)، وهو في بعض المصادر ضمن نونيَّته المشهورة، وورد مع آخر في نسخ الديوان منفردين عنها. وفي (ح، ن) بعد البيت زيادة: «وفي رواية: يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته ... لتطلب الربح مما فيه خسران أقبل على النفس فاستكمل فضائلها ... فأنت بالروح لا بالجسم إنسان» وهي رواية الديوان، وأظنها كانت تعليقًا لأحد القرَّاء، فأدخله الناسخ في الأصل.
والمُصاحِبةُ للعبد في جميع أسفاره، وفي دُوره الثلاثة ــ أعني دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار ــ، وبها يترقَّى في معارج الفضل ودرجات الكمال.
أمَّا الأولى، فإنما١ تصحبُه في البقعة التي فيها مالُه وجاهُه.
والثانية، فعُرضةٌ للزوال والتبدُّل بِنَكْس الخَلْق والردِّ إلى الضَّعف.
فلا سعادةَ في الحقيقة إلا هذه الثالثة، التي كلَّما طال عليها الأمدُ ازدادت قوةً وعلوًّا، وإذا عُدِمَ المالُ والجاهُ فهي مالُ العبد وجاهُه، وتظهرُ قوتُها وأثرُها بعد مفارقة البدن٢ إذا انقطعت السعادتان الأوَّلتان٣.
وهذه السعادةُ لا يعرفُ قَدْرَها ويبعثُ على طلبها إلا العلمُ بها؛ فعادت السعادةُ كلُّها إلى العلم وما يقتضيه، والله يوفِّقُ من يشاء، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.
وإنما رَغِبَ أكثرُ الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها لوعورة طريقها، ومرارة مَباديها، وتعب تحصيلها، وأنها لا تنالُ إلا على جسرٍ من التعب٤؛ فإنها لا تُحَصَّلُ إلا بالجدِّ المحض، بخلاف الأوَّلتَين٥، فإنهما حظٌّ قد يَحُوزُه
(١) (ت، د، ق، ح): «فإنها».
(٢) أي: مفارقة الروح البدن.
(٣) كذا في الأصول، مثنى: الأوَّلة. لغةٌ حكاها ثعلب، وعدَّها طائفةٌ من لحن العوام. والمشهور الفصيح: الأُولَيان، مثنى: الأُولى. انظر: «اللسان» (وأل)، و«تصحيح التصحيف» (١٣٩)، و«المصباح المنير» (آل). وتقع في مواضع من كتب المصنف بالتاء، وفي مواضع بالياء، ويصعب تمييز قلمه من اجتهادات النساخ في مثل هذا مما لم يصلنا بخطه.