مفتاح دار السعادة

غيرُ طالبه، وبَخْتٌ قد يحرزُه١ غيرُ جالبِه من ميراثٍ أو هبةٍ أو غير ذلك، وأمَّا سعادةُ العلم فلا يورثُك إياها إلا بذلُ الوسع، وصدقُ الطَّلب، وصحةُ النية.

وقد أحسنَ القائلُ في ذلك٢:

فقُلْ لِمُرجِّي معالي الأموربغيرِ اجتهادٍ رَجَوْتَ المُحالا

وقال الآخر٣:

لولا المشقَّةُ سادَ الناسُ كلُّهمالجُودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قتَّالُ

ومن طمَحَت همَّته إلى الأمور العَلِيَّة، فواجبٌ عليه أن يَسُدَّ على همَّته الطُّرقَ الدنيَّة.

وهذه السعادةُ وإن كانت في ابتدائها لا تنفكُّ عن ضربٍ من المشقَّة والكَرْه والتأذِّي، فإنها متى أُكرِهَت النفسُ عليها، وسِيقَت طائعةً وكارهةً إليها، وصبرَت على لأوائها وشدَّتها، أفضتْ منها إلى رياضٍ مُونِقَة، ومقاعدِ صدقٍ ومقامٍ كريم، تجدُ كلَّ لذَّةٍ دونها كلذَّة لعب الصَّبيِّ بالعصفور بالنسبة إلى لذَّة الملوك؛ فحينئذٍ حالُ صاحبها كما قيل:

وكنتُ أرى أنْ قد تناهى بيَ الهوىإلى غايةٍ ما بعدَها ليَ مذهبُ
  1. (١) (ت، ق، د، ح): «يحوزه». والبَخْت: فارسية، بمعنى الحظِّ.
  2. (٢) وهو الخُبْزأرُزِّي (ت: ٣٢٧)، في مستدرك ديوانه المنشور بمجلة المجمع العلمي العراقي (٣/ ٤٢/١٤١)، وشعره المجموع في مجلة معهد المخطوطات (٢/ ٣٩/١٣٥)، كلاهما عن «محاضرات الأدباء» (١/ ١٥٦، ٢/ ٤٤٦).
  3. (٣) وهو المتنبي، في ديوانه (٥٠٥)، من كلمةٍ يمدح فيها فاتكًا، هي عندي من أصدق مدائحه.
299
فلمَّا تلاقينا وعايَنْتُ حُسْنَهاتيقَّنتُ أني إنما كنتُ ألعبُ١

فالمكارمُ مَنُوطةٌ بالمكاره، والسعادةُ لا يُعْبَرُ إليها إلا على جسر المشقَّة، ولا تُقْطَعُ مسافتُها إلا في سفينة الجدِّ والاجتهاد.

قال مسلمٌ في «صحيحه»٢: «قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنالُ العلمُ براحة الجسم».

وقد قيل: «من طلبَ الراحةَ تركَ الراحة»٣.

فيا وَصْلَ الحبيب أمَا إليهبغيرِ مشقَّةٍ أبدًا طريقُ٤

ولولا جهلُ الأكثرين بحلاوة هذه اللذَّة وعِظَم قدرها لتَجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حُفَّت بحجابٍ من المكاره، وحُجِبوا عنها بحجابٍ من الجهل؛ ليختصَّ اللهُ بها من يشاء من عباده، والله ذوالفضل العظيم.

الوجه السادس والثمانون: أنَّ اللهَ سبحانه خلقَ الموجودات، وجَعَل

  1. (١) نسبهما محمد بن داود في «الزهرة» (٢٧٤) لبعض أهل العصر، على عادته في عزو شعره لبعض أهل عصره، كما ذكر المسعوديُّ في «مروج الذهب» (٥/ ١٩٦)، وتصديقُه فيما كتب نوري القيسي في «أوراق من ديوان محمد بن داود» (١٠ - ١٢).
  2. (٢) (٦١٢). ولإيراد مسلم له في صحيحه في هذا الموضع منه نكتةٌ لطيفة، انظر: «إكمال المعلم» (٢/ ٥٧٧)، و«شرح النووي» (٥/ ١١٣).
  3. (٣) انظر: «الزهد» للبيهقي (٨٣)، و«أدب الدنيا والدين» (٦٥).
    وقال مِهْيار، ديوانه (١/ ٨٠):
    أتعبَه تغليسُه في العُلا ... من طلبَ الراحةَ فليتعبِ
  4. (٤) لم أجده، ويشبه نظم المصنف.
300

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي