ولولا جهلُ الأكثرين بحلاوة هذه اللذَّة وعِظَم قدرها لتَجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حُفَّت بحجابٍ من المكاره، وحُجِبوا عنها بحجابٍ من الجهل؛ ليختصَّ اللهُ بها من يشاء من عباده، والله ذوالفضل العظيم.
الوجه السادس والثمانون: أنَّ اللهَ سبحانه خلقَ الموجودات، وجَعَل
(١) نسبهما محمد بن داود في «الزهرة» (٢٧٤) لبعض أهل العصر، على عادته في عزو شعره لبعض أهل عصره، كما ذكر المسعوديُّ في «مروج الذهب» (٥/ ١٩٦)، وتصديقُه فيما كتب نوري القيسي في «أوراق من ديوان محمد بن داود» (١٠ - ١٢).
(٢) (٦١٢). ولإيراد مسلم له في صحيحه في هذا الموضع منه نكتةٌ لطيفة، انظر: «إكمال المعلم» (٢/ ٥٧٧)، و«شرح النووي» (٥/ ١١٣).
(٣) انظر: «الزهد» للبيهقي (٨٣)، و«أدب الدنيا والدين» (٦٥). وقال مِهْيار، ديوانه (١/ ٨٠): أتعبَه تغليسُه في العُلا ... من طلبَ الراحةَ فليتعبِ
(٤) لم أجده، ويشبه نظم المصنف.
لكلِّ شيءٍ منها كمالًا يختصُّ به هو غايةُ شرفه، فإذا عَدِمَ كمالَه انتقل إلى الرتبة التي دونه واستُعمِلَ فيها، فكان استعمالُه فيها كمالَ أمثاله، فإذا عَدِمَ تلك أيضًا نُقِلَ إلى ما دونها، ولا يُعَطَّلُ١، وهكذا أبدًا، حتى إذا عَدِمَ كلَّ فضيلةٍ صار كالشَّوك وكالحطب الذي لا يصلحُ إلا للوقود.
فالفَرسُ إذا كانت فيه فروسيَّتُه التامَّةُ أُعِدَّ لمراكب الملوك، وأُكرِمَ إكرامَ مثله، فإذا نزل عنها قليلًا أُعِدَّ لمن دون المَلِك، فإن ازداد تقصيرُه فيها أُعِدَّ لآحاد الأجناد، فإن تقاصر عنها جملةً استُعمِلَ استعمالَ الحمار، إمَّا حولَ المَدار، وإمَّا لنقل الزِّبْل ونحوه، فإن عَدِمَ ذلك استُعمِلَ استعمالَ الأغنام للذبح والإعدام.
كما يقال في المثل٢: إن فرسَيْن التقيا؛ أحدُهما تحت مَلِكٍ والآخرُ تحت الرَّوايا٣، فقال فرسُ الملك: أمَا أنت صاحبي وكنتُ أنا وأنت في مكانٍ واحد، فما الذي نزَل بك إلى هذه المرتبة؟! فقال: ما ذاك إلا أنك هَمْلَجْتَ قليلًا وتَكسَّعتُ٤ أنا!
وهكذا السيفُ إذا نبا عمَّا هُيِّاء له ولم يصلُح له، ضُرِبَ منه فأسٌ أو
(١) (ق، د): «ولا تعطل».
(٢) انظر هذا المعنى في: «البيان والتبين» (٢/ ١٠٣)، و«عيون الأخبار» (١/ ٢٣٥)، و«المدهش» (٣٠٠).
(٣) جمعُ راوية، وهي المزادةُ فيها الماء. «اللسان» (روي).
(٤) تكسَّع في ضلاله: ذهبَ، كتسكَّع. وربما أراد: شابهتُ الحمير، سُمِّيت الحميرُ كُسعةً لأنها تُكْسَعُ في أدبارها، أي: تُضرب. «اللسان» (كسع). وفي (ت): «وأينعت». (د): «تلسعت»، وفوقها بخطٍّ دقيق: كذا.