مفتاح دار السعادة

نهايةَ ما ينالُه أمثالُه منها، فكم بين حاله في أول كونه نطفةً وبين حاله والربُّ يُسَلِّمُ عليه في داره، وينظرُ إلى وجهه بكرةً وعشيًّا؟!

والنبيُّ ﷺ في أول أمره لمَّا جاءه الملَك فقال له: اقرأ، فقال: «ما أنا بقاراء»١، وفي آخر أمره يقولُ الله له٢: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، ويقولُ له خاصَّة: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].

ويحكى أنَّ جماعةً من النصارى تحدَّثوا بينهم، فقال قائلٌ منهم: ما أقلَّ عقولَ المسلمين! يزعمونَ أنَّ نبيَّهم كان راعي الغنم، فكيف يصلُح راعي الغنم للنبوَّة؟! فقال له آخرُ من بينهم: أمَّا هم فوالله أعقلُ منَّا؛ فإنَّ الله بحكمته يسترعي النبيَّ الحيوانَ البهيم، فإذا أحسنَ رعايتَه والقيامَ عليه نقله منه إلى رعاية الحيوان الناطق؛ حكمةً من الله وتدريجًا لعبده٣، ولكن نحن جئنا إلى مولودٍ خرج من امرأة، يأكلُ ويشربُ ويبولُ ويبكي، فقلنا: هذا إلهنا الذي خلقَ السموات والأرض! فأمسكَ القومُ عنه.

فكيف يَحْسُنُ بذي همَّةٍ قد أزاحَ اللهُ عنه عِلَلَه، وعرَّفَه السعادةَ والشقاوة، أن يرضى بأن يكون حيوانًا وقد أمكنه أن يصير إنسانًا، وبأن يكون إنسانًا وقد أمكنه أن يصير مَلَكًا٤ في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، فتقومُ

  1. (١) أخرجه البخاري (٣)، ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة.
  2. (٢) (ق): «وفي آخره أمره بقول الله له». وهو تحريف.
  3. (٣) انظر: «فتح الباري» (٤/ ٤٤١)، و«الرد على الإخنائي» (٧٢).
  4. (٤) وذلك أن أهل الجنة لا تقع منهم معصية، فأشبهوا الملائكة من هذا الوجه.
303

الملائكةُ بخدمته، وتدخلُ عليهم من كلِّ باب، ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾؟!١.

وهذا الكمالُ إنما ينالُ بالعلم ورعايته، والقيام بمُوجَبه؛ فعادَ الأمرُ إلى العلم وثمرته، والله الموفِّق.

وأعظمُ النقص وأشدُّ الحسرة: نقصُ القادر على التمام، وحسرتُه على تفويته، كما قال بعض السلف: «إذا كَثُرَت طرقُ الخير كان الخارجُ منها٢ أشدَّ حسرة»٣.

وصدق القائل٤:

ولم أرَ في عيوب الناسِ عيبًاكنقصِ القادرينَ على التمام

فثبت أنه لا شيء أقبحُ بالإنسان من أن يكون غافلًا عن الفضائل الدينية والعلوم النافعة والأعمال الصالحة، فمن كان كذلك فهو من الهَمَج الرَّعاع الذين يُكدِّرون الماءَ ويُغْلُون الأسعار، إنْ عاشَ عاشَ غيرَ حَمِيد، وإن مات مات غيرَ فَقِيد، ففقدُهم راحةٌ للبلاد والعباد، ولا تبكي عليهم السماء، ولا تستوحشُ لهم الغبراء.

الوجه السابع والثمانون: أنَّ القلبَ يعترضُه مرضان يتواردان عليه، إذا

  1. (١) انظر: «تفصيل النشأتين» (٥٦)، و«الذريعة إلى مكارم الشريعة» (٦١)، و«شرح نهج البلاغة» (٢٠/ ٣٠٦).
  2. (٢) أي: دون اغتنام لها.
  3. (٣) انظر: «سراج الملوك» (٢٠٠).
  4. (٤) وهو المتنبي، في ديوانه (٤٧٦).
304

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي